بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٤١٢ - الجهة السابعة في إثبات الظهور بالاستدلال و البرهان
منشئه، هل هو الوضع، فيكون ظهوراً وضعيّاً، أو أنّ منشأه مقدّمات الحكمة التي تعيّن الوجوب ببيانٍ من البيانات السابقة، في مقابل الاستحباب؟
فهذا كلام معقول واضح على أساس تصوّراتنا، فإنّنا قد ذكرنا في محلّه أنّ إدراك الظهور الوضعيّ ليس فرع العلم بالوضع، بل هو فرع نفس الوضع و القرن الوضعيّ بين المعنى و اللّفظ، و بهذا دفعنا إشكال الدور في علاميّة التبادر، كما أنّ إدراك الظهور القرينيّ ليس فرع العلم بها، بل هو فرع نفس وجود القرينة في ذهن الإنسان، فلو كان الإدراك فرع العلم بالوضع، أو العلم بالقرينة، لكان من السهل الرجوع إلى النفس ليرى أنّه عالم بأيّهما، لكنّ الأمر ليس كذلك كما برهنّا عليه.
و حينئذٍ: مبنيّاً على هذا، فإنّ الإنسان العرفيّ قد يدرك الظهور، لكن لا يدرك أنّ منشأه ما هو، هل هو العلقة الوضعيّة، أو شيء آخر؟
فلو فرض أنّه يوجد آثار عمليّة لتعيين منشأ الظهور، حينئذٍ: هنا يأتي مجال الاستدلال و التأمّل، و ذلك بأن يلتفت إلى تمام موارد ثبوت هذا الظهور و تمام خصوصيّاته، ليرى أنّه هل يلائم مع الظهور الوضعيّ أو الإطلاقيّ؟ و هذا بحث صناعيّ مرهون أمره بخصوصيّات الظهور.
و بحسب الحقيقة، فإنّ بحث صيغة (افعل) من هذا القبيل، بل نفس طرحها في الأصول لم يكن المراد به إثبات أصل دلالة صيغة (افعل) على الوجوب، بل المقصود من طرحها هو بحث منشأ هذا الظهور في الوجوب، و أنّه هل هو الوضع أو مقدّمات الحكمة مثلًا؟ بعد أن كان مفروغاً عن هذا الظهور في الوجوب.
و أمّا الموضع الرابع: و هو موضع تنسيق ظهورين في كلام واحد بحيث نستنتج دلالة ثالثة.