بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٢٣٦ - الجهة الخامسة الفوارق بين السيرة المتشرّعيّة و العقلائيّة
الفارق الأوّل: هو أنّه حينما نريد أن نستدلّ بسيرة المتشرّعة، يجب أن نثبت استقرار بناء المتشرّعة من أصحاب المعصوم (عليه السّلام) و الأجيال الملاصقة لهم على عملٍ ما، فنقول: إنّهم كانوا يُخفتون في صلاتهم مثلًا، لكي نستكشف من ذلك الحكم الشرعيّ، و إلّا، فإذا لم نثبت استقرارهم على شيء بنحو القضيّة الخارجيّة، فلا يتمّ الدليل.
و أمّا السيرة العقلائيّة، فيكفي أن نُثبت الطباع العقلائيّة لو خُلّيت و نفسها و لم تردع لكان هذا هو مسلكها و طريقتها، و إن كنّا لا نجزم بالفعل بأنّ أصحاب المعصوم (عليه السّلام) هل كانوا ممّن يسيرون على هذه الطريقة أو لا يسيرون، لاحتمال ردع في المقام، لكن نحن نجزم بأنّ الطباع العقلائيّة لو خُلّيت و نفسها و لم تردع لكان هذا مسلكها في العمل، و حينئذٍ: هذا يكفي لتتميم السيرة العقلائيّة.
إذن، نحن سوف نثبت عدم الردع ببرهان الشرطيّة الثانية، و هي: أنّه (لو ردع لوصل)، و المفروض أنّه لم يصل، إذن، فلم يردع، و إذا نحن أثبتنا الشرطيّة الثانية، فحينئذٍ: يثبت الإمضاء و قبول هذا الحكم.
و بعبارةٍ أُخرى: هي أنّه بمجرّد أن نُثبت أنّ الطباع العقلائيّة لو لو خُلّيت و نفسها لكانت تسير على هذه الطريقة، فمجرّد إحراز هذه القضيّة الطبعيّة يكفي أن يُترقّب من الشارع الردع على تقدير عدم رضاه بسلوكها؛ لأنّه لو لم يردع، إذن، فالطباع تقتضي هذا، فالمقتضي موجود، و المانع مفقود، فيثبت المطلوب بهذا، فببرهان عدم وصول الردع من الشارع، نثبت حينئذٍ موافقة الشارع على مضمون هذه السيرة العقلائيّة.
و للتوضيح نمثّل بمثال: و هو أنّه حينما نستدلّ على حجّيّة الظواهر بسيرة المتشرّعة، يجب أن نثبت أنّ المتشرّعة في عصر المعصوم (عليه السّلام) كانوا يعملون بالظواهر، و إذا لم نستدلّ بسيرة المتشرّعة، فيكفي أن