بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٤٢٢ - الكلام في حجّيّة الإجماع
و إن أُريد بها المصالح البعديّة، فلا إشكال في أنّه جرت عادة الله تعالى على حفظها للعباد، بل لا إشكال أنّ هذه المصالح تتميّز عن المصالح الأُولى، بأنّ طريق حفظها ينحصر بالله تعالى؛ لأنّ ما لدى الإنسان من خبرة، إنّما تزيد في معرفته بالكون الذي يعيش فيه.
و أمّا العلاقة بالله تعالى، بمعنى: الطاعة و التديّن، فهذا مطلب لا يتوصّل إليه البشر الاعتياديّ إلّا عن طريق الوحي و التديّن و تشريع الأحكام، فالمصالح البعديّة تتميّز عن القبليّة من هذه الناحية.
و بهذا كان تطبيق قاعدة اللّطف على أصل النبوّة العامّة و الدين وجيها بلحاظ المصالح البعديّة، حيث إنّ هذه المصالح البعديّة تكون عن طريق التشريع، إذن، فتطبيق قاعدة اللّطف بالنسبة لأصل النبوّة و الدين يكون بهذا اللّحاظ.
إلّا أنّ هذا اللّحاظ غير منطبق في محلّ الكلام؛ و ذلك لأنّه في محلّ الكلام المصالح البعديّة محفوظة على كلّ حال؛ لأنّ هذه المصالح لا يفرّق فيها ما بين الحكم الواقعيّ، و الحكم الظاهريّ، فلو أخطأ الفقهاء و تمسّكوا بأصل كالاستصحاب مثلًا، و كان الواقع على خلافه، فالمصالح البعديّة تكون محفوظة.
و الحاصل: هو أنّ قاعدة اللّطف هذه لا يمكن تطبيقها على مثل هذه المصالح و الملاكات القبليّة التكوينيّة، و ذلك:
إمّا لعدم المقتضي لمثل هذا التطبيق، و إمّا للمزاحمة مع الملاك الذي ذكرناه، و لهذا لم تجرِ عادة الله سبحانه أن يبعث مهندسين و أطبّاء كما جرت عادته أن يبعث رسلًا و أنبياء.
هذا لو أُريد من المصالح الحقيقيّة الملاكات التكوينيّة الثابتة بقطع النظر عن أحكام الشارع و تشريعاته؛ لأنّ مثل هذه الملاكات، من