بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٤٢١ - الكلام في حجّيّة الإجماع
و هذه الفكرة العامّة غير تامّة لعدّة وجوه:
الوجه الأوّل: هو أنّ هذا اللّطف المدّعى، ما ذا يُراد فيه بمصالح الأحكام التي يكون من اللّطف أن لا تضيع على العباد؟ فهنا أحد أمرين:
أوّلهما: هو أن يُراد بهذه المصالح: المصالح الأوّليّة القبليّة الثابتة في الفعل، بقطع النظر عن طلب الشارع لها، كالمضمضة في الوضوء، التي هي مستحبّ، فهذا له ملاك باعتبار فوائده، بقطع النظر عن طلب الشارع و أمره، بحيث لو التزم بالمضمضة كافر لحصل على تلك المصلحة.
و ثانيهما: هو أن يُراد بهذه المصالح: المصالح البعديّة، أي: المترتّبة على التديّن بالمضمضة، أي: الإتيان بها تقرّباً إلى الله تعالى.
و نحن حينما نواجه هذه الدعوى، نتساءل أنّه هل يُراد بالمصالح هنا القبليّة أو البعديّة؟
فإن أُريد بها المصالح القبليّة، فلا ينبغي الاستشكال في أنّه لم تجرِ عادة الله تعالى على ضمان هذه المصالح للبشريّة بشكلٍ إنّيّ، و لهذا نرى في تاريخ البشريّة أنّ كثيراً من مصالح الإنسان- التي يتوقّف عليها دفع الأخطار المهلكة عنه- لم يكشفها الله تعالى للإنسان بطريق الوحي و الدين، و إنّما ترك الإنسان و خبرته و جهده، لكي يتوصّل غير آلاف السنين إلى اكتشافها، و حتى الآن لا تزال جملة منها غير مكشوفة، و الإنسان سائر في طريق اكتشافها.
و لعلّ الحكمة في ذلك أنّ نفس ترك الإنسان و خبرته يكون في نفسه ذا مصلحة تربويّة للنوع البشريّ، تكون أهمّ من تلك المصالح.
إذن، فقاعدة اللّطف لا يصحّ تطبيقها على مثل هذه المصالح.