بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٢٧٦ - المقارنة بين الاستدلال بالسيرتين على حجّيّة الظهور
المتشرّعيّة، و هذا ليس استدراكاً لما قلناه سابقاً من أنّ الاستدلال بالسيرة المتشرّعيّة لا يحتاج إلى عدم الردع، بخلاف السيرة العقلائيّة، فإنّه لا يكفي في الاستدلال بها أصل ثبوتها، بل لا بدّ من إحراز عدم الردع.
و وجه هذا الاحتياج إلى السيرة العقلائيّة هو أنّ العقلاء لو لم يكونوا يبنون على الظهورات، لكان حال الظهور عندهم كحال غيره من القواعد غير المقبولة، كالاستخارة و نحوها، فإنّه حينئذٍ لا يمكن استكشاف ثبوت سيرة متشرّعيّة في زمان المعصومين (عليهم السّلام)؛ لأنّ ذلك إنّما كان ببيان أنّه لو كانت لهم طريقة أُخرى في مقام اقتناص مرامهم، إذن، لكانت حادثة غريبة على خلاف الوضع العقلائيّ العامّ، و حينئذٍ: مثل هذا لا يمرّ من دون أن يُذكر أو يصل إلينا منه شيء، مع أنّه لم يصلنا منه شيء.
و من الواضح: أنّ هذا البيان إنّما يتمّ فيما لو فرض أنّ الوضع العقلائيّ العامّ كان يعتبر أنّ أيّ طريقة أُخرى غير الظهور هي أمر غريب عن طباعهم العقلائيّة، و إلّا، كان حال الظهور كحال تلك القضايا، إذن، فكيف يفترض أنّ العمل كان به و لم يكن بها، إذن، لا بدّ من افتراض أنّ العمل بالظهور هو الطريقة العقلائيّة الطبعيّة، و هو المقوّم لطريقتنا في استنتاج السيرة المتشرعيّة، و حينئذٍ: فبالطريقة نفسها نُثبت التعميم في مضمون السيرة المتشرّعيّة؛ إذ لو كان مؤدّاها أقلّ من مؤدّى القضيّة الطبعيّة لما كان له منشأ عقلائيّ طبعيّ، و إنّما ينحصر منشؤه في البيان الشرعيّ الذي يُعتبر تحديداً للقضيّة العقلائيّة و ردعاً عنها، و مثل هذا لو كان لوصل إلينا عادةً، مع أنّه لم يصل إلينا شيء منه، إذن، فليست السيرة المتشرّعيّة مهملة بنحوٍ يجعل مؤدّاها في قوّة الجزئيّة دائماً.