بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٢٧٤ - المقارنة بين الاستدلال بالسيرتين على حجّيّة الظهور
إذن، فنحن و إن كنّا لا نحتمل الردع عن العمل بكبرى الظهور كلّيّة، لما عرفت سابقاً، من أنّه لو كان قد ردع عن هذه الكبرى كلّيّة لوصل إلينا شيء من ذلك، أو احتمال ذلك على الأقلّ.
لكن لا بأس بدعوى احتمال أن يكون هناك ردع عن بعض مراتب الظهور، و هي تلك المراتب التي قلنا سابقاً إنّ الفقيه الألمعيّ يطبّقها في الفقه في مقام التعدّي من مورد إلى آخر، لا قياساً، و لكن استظهاراً و حملًا للمورد على المثال بمناسبات الحكم و الموضوع.
و هذه الظواهر حيث إنّها تشبه في بعض الوجوه الرأي و القياس، فقد يصحّ لإنسان أن يبدي هذا الاحتمال، و هو احتمال أن تكون هذه الروادع- التي ردعت عن العمل بالقياس و بالرأي- شاملة لمثل هذه الظواهر، و إن لم يكن المراد من هذه الشبهة دعوى شمولها حقيقةً؛ لأنّه تحقيقاً، لا يوجد دليل يتمّ إطلاقه لمثل هذه الظواهر؛ لأنّ القياس إنّما هو قياس غير مدلول الدليل على مدلول الدليل، و هذه الأدلّة التي أُلغي فيها المورد باستظهار المثاليّة، يكون مدلول الدليل فيها واسعاً و شاملًا للمورد و غيره، فإجراء الحكم على غير المورد ليس من باب القياس المذكور، بل هو من باب إعمال الدليل في تمام مدلوله.
لكن مع هذا، يبقى احتمال أن تكون الكبرى المردوع عنها باعتبار تشابه كثير من الألفاظ، و وجود روح عامّة في هذه الروايات الناهية عن القياس، و هي قابلة للزيادة و النقصان.
فبهذا نُثبت احتمال أن يكون هذا الردع عن العمل بالقياس و الرأي شاملًا لمثل هذا النحو من الظهور، و احتمال الردع يكفي في السقوط عن الحجّيّة؛ لأنّ هذا الظهور إنّما يكون حجّة بالسيرة العقلائيّة، إذا جزمنا بعدم الردع عنها، و حينئذٍ: نجزم الإمضاء، و أمّا مع احتمال الردع عنها فلا جزم بالإمضاء.