بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٤٢٣ - الكلام في حجّيّة الإجماع
الواضح عدم لزوم حفظها بتدخّل مباشر من قبل الله سبحانه، و إنّما ذلك موكول إلى خبرة البشر المتنامية من خلال تجاربهم، و قد ذكرنا أنّه لعلّ الحكمة في ذلك هي كي يكدّ هذا الخلق و تنمو قدراته و إمكاناته تدريجيّاً.
و أمّا لو أُريد تطبيقها على المصالح و الملاكات البعديّة التي هي ملاكات الطاعة و التديّن لله سبحانه و التي طريق حفظها منحصر بالله تعالى بما هو مشرّع، فكبرى تطبيق قاعدة اللّطف على مثل هذه المصالح البعديّة، و إن كان لا يخلو من وجه، و لذا طبّقها علماء الكلام لإثبات أصل النبوّة، إلّا أنّ صغرى ذلك- كما في المصالح البعديّة- غير منطبق في محلّ الكلام؛ لأنّه يفرق الحال في حفظ هذه الملاكات البعديّة بين الحكم الظاهريّ و الواقعيّ؛ إذ هي محفوظة على كلّ حال، فحتى لو أخطأ الفقهاء، و كان ما أجمعوا عليه على خلاف الحكم الواقعيّ، فلا يكون ذلك خارجاً عن الشرع، بل تكون هذه المصالح البعديّة محفوظة و لو تمسّكوا بقاعدة أو أصل كالاستصحاب أو غيره من الوظائف المقرّرة ظاهريّاً.
الوجه الثاني: من مناقشة هذه الفكرة هو أنّ هذا اللّطف المدّعى وجوبه على الله تعالى، هل أنّه لا بدّ و أن يتحقّق بنحوٍ يكون لطفاً، و لو بالنسبة لبعض المسلمين؟ أو بنحوٍ لا بدّ و أن يتحقّق بنحوٍ يكون لطفاً، و لو بالنسبة لبعض المسلمين؟ أو بنحوٍ لا بدّ و أن يكون لطفاً بالنسبة لكلّ المسلمين؟
فإن ادُّعي الأوّل، بمعنى: أنّه يكفي لإنجاز المهمّة العقليّة من قبل الله تعالى أن يتلطّف الله تعالى على خمسةٍ من الفقهاء مثلًا، فيرشدهم إلى الواقع، و إن بقي خمسة آخرون لا يعلمون.
فإن ادُّعي هذا، فهذا أمر غريب؛ لأنّ اللّطف ميزان ترقّبه من الله تعالى- الذي عبّر عنه بالوجوب- هو العبوديّة و الحاجة، و انّ هذا