بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٣١٩ - الجهة الثانية في تشخيص موضوع حجّيّة الظهور
و أمّا الثاني: فلأنّه لا كاشف نوعيّ عن عدم القرينة؛ لأنّ أصالة عدم القرينة أصل عقلائيّ، فيجب أن يكون معبّراً عن نكات كاشفة عقلائيّة نوعيّة، و في المقام، لا كاشف نوعيّ عن عدم وجود المتّصلة، و نفس الظهور لا يمكن جعله كاشفاً؛ لأنّ هو نفسه غير محرز، فلا يجعل غير المحرَز محرِزاً، وعليه: فيبطل الدليل حينئذٍ.
و من هنا بنينا في الفقه على أنّ احتمال القرينة المتّصلة يوجب الإجمال، سواء كان من احتمال قرينيّة الموجود، أو من احتمال وجود القرينة، كما لو كانت الرسالة بلغةٍ أجنبيّة، و لم نفهم المخصّص فيها، ففي كلتا الحالتين: لا يمكن التمسّك لا بأصالة عدم القرينة، و لا بأصالة الظهور، كما أنّ السيرة العقلائيّة أيضاً غير منعقدة على العمل بالظهور في مثل ذلك.
و من هنا يظهر: أنّ هذه الاتّجاهات الثلاثة ليست مجرّد تفنّن في تحليل المطلب، بل يترتّب عليها ثمرة عمليّة؛ إذ بناءً على الاتّجاه الثاني مثلًا، نُجري أصالة الظهور ابتداءً؛ لأنّ الظهور التصوّريّ محرز.
بينما بناءً على الاتّجاه الثالث، يكون الكلام مجملًا، و حينئذٍ: لا يمكن إجراء أصالة الظهور، و لا أصالة عدم القرينة.
و قد يُقال: إنّه بناءً على هذا المبنى، حينئذٍ: ينسدّ باب العمل بالروايات؛ لأنّه يحتمل وجود القرينة المتّصلة، و هذا الاحتمال لا ينشأ من ناحية غفلتنا، بل لعلّه كانت هناك قرينة متّصلة و لم تصل إلينا، و هذا الاحتمال يوجب إجمال الكلام، و حينئذٍ: ينسدّ باب التمسّك بهذه الروايات، فلا يجوز التمسّك بها.
و جوابه: هو أنّ احتمال القرينة المتّصلة هنا منفيّ بشهادة الراوي نفسه؛ لأنّه بظاهر حاله أنّه في مقام بيان تمام ما له دخل في فهم الحكم من هذا الكلام ممّا هو مكتنف بالكلام، و هذا مرجعه إلى