بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٢٩١ - المقارنة بين الاستدلال بالسيرتين على حجّيّة الظهور
وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ، فحينما قال (بِرُؤُسِكُمْ)، عرفنا أنّ المسح ببعض الرأس، لمكان الباء، ثمّ وصل الرجلين بالرأس .. إلخ، فإذا ضمّ لهذا الكلام ما ادُّعي من أنّ الباء ليس من معانيها التبعيض، فحينئذٍ: يكون كيفيّة استفادة التبعيض هنا باعتبار إلصاقه، أي: من نفس الإلصاق، بمناسبات الحكم و الموضوع، و يُقال: بأنّ الباء تدلّ على أنّ المسح ملصوق بالرأس، و بضمّ هذا لمناسبات الحكم و الموضوع يفهم منه التخفيف.
و إن شئت قلت: رغم القول بأنّ الباء ليست للتبعيض، بل للإلصاق، فإنّه رغم هذا يمكن استفادة التبعيض منها؛ لأنّ إلصاق المسح بالرأس بسبب الباء مُشعر عرفاً بتخفيف الإلصاق الذي يكفي فيه مسح بعض الرأس.
و منها: رواية الحكم بن الحكم، قال: سُئل أبو عبد الله (عليه السّلام) عن الصلاة في البيع و الكنائس، فقال (عليه السّلام): صلّ فيها، قد رأيتها ما أنظفها، قلت: أ يصلّي فيها إن كانوا يصلّون فيها؟ قال (عليه السّلام): نعم، أما تقرأ القرآن؟ قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلًا، صلّ إلى القبلة و غرّبهم [١]. و هذه الآية بحسب لفظها لا يُستفاد منها عدم مانعيّة صلاتهم عن صلاتنا، و إنّما يكون بضمّ فهمٍ عرفيّ عنائيّ، و هو إمضاء هذا التعامل الخارجيّ، و أنّه كلّ يعمل على شاكلته بنحوٍ لا يضرّه الآخر.
و الحاصل هو: أنّ الآية لو لم يعمل فيها عناية عرفيّة، من إمضاء هذا التعامل الخارجيّ، و أنّه كلّ يعمل على شاكلته بنحوٍ لا يضرّه الآخر، قلت: لو لا إعمال هذه العناية؛ فإنّ الآية لا تدلّ على عدم مانعيّة البيَع و الكنائس عن صحّة الصلاة.
[١] () وسائل الشيعة: باب ١٣ من أبواب مكان المصلّي.