بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٢٧٧ - المقارنة بين الاستدلال بالسيرتين على حجّيّة الظهور
و أمّا ما يُلحظ:
من نقاط ضعف في السيرة العقلائيّة، فقد أشرنا سابقاً إلى بعضها، من أنّ مجرّد ثبوت هذه السيرة لا يكفي للاستدلال بها على الحكم الشرعيّ ما لم يثبت عدم الردع عنها، حيث يكشف عن الموافقة على مضمونها، و هذا يتوقّف أحياناً على إثبات حجّيّة ظهور حاليٍّ أو لفظيّ للشارع في الإمضاء، و هو لا يكون إلّا بالتمسّك بدليل آخر على حجّيّته، لا بنفس هذه السيرة، و من هنا، كان بحاجة إلى ضمّ السيرة المتشرّعيّة إليها لإثبات حجّيّة شخص هذا الظهور كما عرفت سابقاً.
و قد يُقال بلزوم ضمّ السيرة المتشرّعيّة في إثبات أصل ثبوت السيرة العقلائيّة في الظهورات الموجودة في مطاوي الأدلّة الشرعيّة؛ لأنّ هذه الظهورات تختلف عن الظهورات العرفيّة في مقام المحاورة، و التي هي القدر المتيقّن من شمول السيرة العقلائيّة لها في أنّها ظهورات صادرة في مجالس متعدّدة غير متعاصرة زماناً و مكاناً، و حتى من حيث المتكلّم نفسه، فإنّ المعصومين (عليهم السّلام) قد خالفوا الأساليب العرفيّة في المحاورة، و اعتمدوا القرائن المنفصلة التي كانت تصدر في مجالس مختلفة و أزمنة متباعدة و من معصومين في عصور غير متعاصرة، و هذه الطريقة ليست بعرفيّة، و لا أقلّ من كونها غير متداولة كثيراً بين العقلاء لكي يعرف ما هو نظرهم و رأيهم فيها، إذن، فالسيرة العقلائيّة على العمل بالظهورات العرفيّة المتعارفة لا تكفي وحدها لإثبات حجّيّة هذه الظهورات.
و هذه الشبهة تارةً تبيّن بلسان كونها اعتراضاً على دليليّة السيرة العقلائيّة، و حينئذٍ: قد يُجعل نفس عمل أصحاب المعصومين (عليهم السّلام) بهذه الظهورات- مع اطّلاعهم على أنّهم يعتمدون القرائن المنفصلة، و لو متباعدة- شاهداً على عموم السيرة العقلائيّة؛ لأنّهم إنّما كانوا يعملون ذلك بملاك عقلائيّتهم، و ليس بملاك تلقّي نصوص منهم (عليهم السّلام).