بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٢٧٣ - المقارنة بين الاستدلال بالسيرتين على حجّيّة الظهور
الألمعيّ مع ما فيها من الدقّة التي تميّز فقيهاً عن آخر، و حينئذٍ: قد يُتوهّم أنّ عناوين التفسير بالرأي لعلّها أُريد بها معنىً ينطبق على ذلك، و كذلك أيضاً الظهورات الناشئة من مناسبات الحكم و الموضوع و التي على أساسها نعمّم الحكم: فمثلًا: لو سُئل المعصوم عن ما جبّ وقع فيه فأرة فأجاب و قال: لا تتوضّأ به، فهنا لا يمكن أن يُقال: إنّه حكم خاصّ، و إسراؤه إلى ماء وعاء آخر يحتاج إلى دليل آخر؛ لأنّ هذا ليس من باب العمل بالقياس، بل تعميم الحكم من باب العمل بظاهر الدليل؛ لأنّنا فهمنا من هذا الدليل أنّه يشمل هذا الوعاء و كلّ ماء قليل، فكأنّ الدليل أعطى الكبرى، حينئذٍ: هذا الظهور، و هو ظهور يشبه القياس، باعتبار أنّه قد يُقال: إنّ هذا الدليل مختصّ بهذا الموضوع، فالتعدّي منه إلى موضوع آخر قياس، إذن، فهذا النحو من التعميم المبنيّ على مناسبات الحكم و الموضوع هو، من زاوية ظهور؛ لأنّه مبنيّ على الظهور، و هو من زاوية أُخرى، يمكن توهّم كونه قياساً، و حينئذٍ: إذا افترضنا ذلك، فهذا معناه: احتمال أن تكون هذه الروايات رادعة عن هذا النحو من العمل بالظهور، إذن، لا يمكن تتميم البرهان؛ لأنّ السيرة العقلائيّة في هذه المرتبة من مراتبها لم نجزم بعدم الردع عنها.
و قد قلنا سابقاً: إنّ احتمال رادعيّة الموجود يكفي لبطلان الدليل، و لا يتوقّف بطلانه على الجزم بالرادعيّة، إذن، ما لم نرجع إلى سيرة المتشرّعة و نثبت بها أنّ المتشرّعة كانوا يعملون بهذه الظواهر، لا يمكن في المقام إثبات المطلب بالسيرة العقلائيّة وحدها، و لكن إذا رجعنا إلى سيرة المتشرّعة، و استطعنا إثبات أنّ المتشرّعة كانوا يعملون بهذه الظواهر، حينئذٍ: فباعتبار أنّ السيرة المتشرّعة لا تتوقّف على مسألة إحراز عدم الردع كما عرفت، إذن، نُثبت بنفس سيرة المتشرّعة بطلان احتمال رادعيّة هذه الطوائف.