الشيعة في مسارهم التاريخي - الأمين، السيد محسن - الصفحة ٢٥٥ - كلام في نهج البلاغة
عنه يمكنه ذلك، حتّى قال الشيخ محيي الدين الخياط و هو من الممتازين في هذا العصر بالفضل و الأدب و التنقيب: (لولا ما زجّ فيه... ) .
و جاء الفاضل الزيات الّذي يريد أن يحيي تاريخ الأدب العربي فحكم حكما جازما قاطعا باتا بأن أكثر ما فيه منحول مدخول، و لم يأت على ذلك ببيّنة و لا برهان سوى اعترافه بأنه بحق يفتح للناظر فيه أبواب البلاغة و يقرّب عليه طلابها، و سوى نقله الإجماع على أنه أخطب المسلمين و إمام المنشئين، و بأن خطبه و عهده للأشتر تعدّ من معجزات اللّسان العربي و بدائع العقل البشري، لكن قلمه لم يطاوعه على الجزم بنسبة عهد الأشتر إليه فأردفه بقوله: (إن صح) و ليت شعري ما الّذي رابه من صحته أكونه من معجزات اللّسان العربي؟و من أحق بمعجزاته من أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب؟أم كون ناقله الشريف الرضي و من أثبت منه نقلا و أصدق قيلا و أثبت عدالة و تقوى؟و ليس في العهد ما في الشقشقية لينافي التقليد الموروث، و ليت شعري كيف صح له أن يحكم هذا الحكم الجائر و نهج البلاغة مجموع من كتب تفوت الحصر و منتخب جلّ كلامه القصير من كلام طويل، فهل اطّلع على جميع الكتب و الخطب و الرسائل و بحث عنها فوجدها مكذوبة.
و هذه شهادة على النفي غير مقبولة، و من ذا الّذي يستطيع الجزم بكذب كلام كثير كهذا بمجرّد رؤيته، و قد أدّى حبّ نصرة المعتقد إلى أن يقول الذهبي الدمشقي في ميزانه البعيد عن الاعتدال [١] : إنّ كلام نهج البلاغة ركيك و أنه لا يشابه كلام القرشيين، مع أنه لم يعرف أن جامعه الرضي أو المرتضى و هذا، ليس بعجيب أن يقع مثله من البشر بعدما رأينا من جعل كلام اللّه تعالى القرآن باطلا و شعرا، و هكذا عمد إخواننا هؤلاء إلى أعظم مفخرة من مفاخر الإسلام فأنكروها و أبطلوها و برئوا منها، سامحكم اللّه أيّها الإخوان أنكم لم تستطيعوا و لن تستطيعوا إخمال ذكر نهج البلاغة و الحطّ من قدره كما لم يستطع أحد الحطّ من قدر القرآن لا في عصر النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و لا من المبشرين في هذا العصر، فالشمس لا تحتاج بعد نورها إلى شاهد و معرف.
[١] ميزان الاعتدال، الذهبي: ٢/٤٣٦.