الشيعة في مسارهم التاريخي - الأمين، السيد محسن - الصفحة ١٩ - ٥-في السّياسة و الإصلاح التّربوي و الاجتماعي
هذه المعادلة ما خذلت يوما المؤمنين بقضيتهم، المقاومين بدمائهم و حبرهم و أكفّهم النظيفة. و لقد كان السيد محسن الأمين في طليعة هؤلاء، فقاوم و تزهّد و ترفّع من الصغائر. و ليس أخيرا كان أنموذجا للعلماء ممّن ينطبق عليهم قول الإمام الصادق بأنهم «أمناء الرسل» .. على أنه كان من نخبهم الذين أبوا «الركوب» إلى السلاطين فلم «يتهموا» [١] .
إن الجهاد، بوصفه مضمونا إسلاميا شموليا، ما رأى إليه السيد في حركته الإصلاحية، سواء في جانبها السياسي، أو في الجوانب التربوية و الاجتماعية و كل ما يؤدي إلى نهضة الشعوب العربية و الإسلامية الراكدة في التخلّف و الفقر و التبعية، و إلى تجديد فكرها و رؤيتها لتتمكن من مواكبة التقدم، و مواجهة التفوّق الأوروبي. و السيد الأمين من هذا المنظور داعية إصلاحي على غرار أسلافه الكبار، غير أنه في برنامجه-انطلاقا من طبيعة المكان و تناقضات على مساحته -كان أكثر اهتماما بالتفاصيل التي اقتضت-أو غالبيتها-التعاطي المباشر معها.
و منذ انتقاله إلى دمشق، بادر إلى التحرك في هذا الاتجاه، حيث وجد نفسه أمام «أمور» وصفها بأنها «علّة العلل» و قد اختصرها في ثلاثة:
١-الأمية و الجهل.
٢-الانقسام و الخلافات الحزبية.
٣-مجالس العزاء و ما يمارس فيها من تشويه و مبالغات [٢] .
كانت التّحدّيات كبيرة، خصوصا و أن البلاد خارجة لتوّها من الزمن العثماني الذي نشر الجهل و أسّس للتخلف و الانقسام. و السيد الوحدوي فكرا و أيمانا، رأى في التصدي لهذه «الأمور» جهادا ليس يفوقه الجهاد ضدّ المعتدين.
فلكي يتحرّر المجتمع من السيطرة الخارجية، يجب أن يتخلص، أوّلا، من الرّواسب الآسنة فيه. لذلك يصرف وقته أو جلّه إلى إصلاحه، فيعالج انقساماته «الحزبية» بالمساواة على مستوى الطائفة، و الانفتاح على مستوى العقيدة. كما
[١] مقتبس من قول الإمام الصادق: الفقهاء أمناء الرسل فإذا رأيتم الفقهاء قد ركبوا إلى السلاطين فاتهموهم.
[٢] وجيه كوثراني، المصلح الإسلامي السيد محسن الأمين، ص ١٠٩.