الشيعة في مسارهم التاريخي - الأمين، السيد محسن - الصفحة ٢٤ - ٦-الإنجاز العظيم
«جلسنا في طرف المجلس و أمامنا المحبرة و الكتب و الدفاتر و الشيخ إسحق (مضيفه) يستقبل الناس و يتحدث إليهم، أما نحن فنكتفي بردّ السلام و القيام لهم و الدفتر في يدنا، ثم نجلس و نأخذ في عملنا من قراءة و كتابة» [١] .
و كان السيد و الوقت في سباق، فلا يدّخر سانحة دون الإفادة منها في القراءة أو التصنيف أو البحث، هذا فضلا عن دوره التوجيهي الإصلاحي البارز. فقد كتب في التاريخ و الفقه و النحو و الرحلة، و كانت له ردود كثيرة على أئمة العلم و الأدب في زمانه، مثل الشيخ محمد رشيد رضا، و محمد كرد علي و الشاعر جميل صدقي الزهاوي... ، و هي تشكّل مراجع في موضوعاتها. و لعله في صبره و جلده، يذكرنا بشيخ المؤرخين أبي جعفر الطبري الذي روي أنه واظب أربعين سنة على الكتابة، و «كان يكتب في يوم أربعين ورقة» [٢] .
و لكن «أعيان الشيعة» يبقى له الموقع الخاص في تراث السيد، هذه الموسوعة التي تجاوزت إطارها العربي إلى الإطار العالمي، متخذة مكانها الذي تستحق في الجامعات و المراكز العلمية. فهي، و مرة أخرى بالمقارنة مع تاريخ الطبري، حفظت مادة غزيرة من الضياع، و لا تختلف في منهاجها التفصيلي عن «معجم الأدباء» لياقوت الحموي، على أنها في تنوّعها موضوعا و زمانا تكتسب فرادة قد لا نجدها في الموسوعات الأخرى. كما تميزت بمقدماتها القيمة، و هي عبارة عن دراسة مستفيضة للشيعة في تطورهم التاريخي و الثقافي، و التي تشكل مادة هذا الكتاب، مندرجة تحت اثني عشر عنوانا في الموضوعة الشيعية.
و يخوض الأوّل في معنى التشيع لغة و اصطلاحا. كما يتناول الشيعة لغة و تاريخا في دراسة مفصّلة، اعتمد فيها على أمّهات المصادر، و تحدث عن فرقها، منتقدا ما جاء في كتب «الملل و النحل» التي بالغت في تعداد فرق الشيعة و التي وصلت لدى المقريزي إلى الثلاثمائة، و دون أن يذكر هذا سوى عشرين منها.
[١] المرجع نفسه، ص ١٧٥.
[٢] د. أحمد الحوفي، الطبري، ص ٨٨.