الشيعة في مسارهم التاريخي - الأمين، السيد محسن - الصفحة ١٢ - ٣-على خطى العلماء
الكتّاب. فلم يكد يمضي سحابة من النهار حتى انصرف و أبى العودة ثانية، من دون أن يجبر-و هو الوحيد-على غير ذلك.
و السيد إنّما يؤرّخ هنا، ليس لحدث خاص فحسب، بل يقدّم لنا صورة عن واقع التعليم في عصره، حيث «المعلّم» الشيخ لا يفارق «عرشه» ، و الصّبيان يحتشدون تحت قدميه، و قد سكن في قلوبهم الخوف. و سلطته ليس لها حدّ أو عليها حساب، فقد «بايعه» الأهل و أطلقوا ليده العنان ضربا و «فلقا» ، و ما إلى ذلك من أدوات «التربية» المناسبة في ذلك الوقت. و يقدّم السيد وصفا طريفا لسلطة «الشيخ» فيقول: «إذا غضب المعلم على واحد لذنب هو عنده من الكبائر، كأن يهرب فرارا مما يلاقيه، أرسل المعلم الأطفال الكبار ليأتوا به كما يرسل رئيس الشرطة أو الدرك جنوده لإحضار من يريد عقابه. فإن حضر معهم مشيا على الأقدام و إلاّ حملوه مشهّرا بين الناس و هو يبكي و يصيح و لا من مجيب، و هم في أثناء ذلك ينشدون الأناشيد في ذمّه، فيضعونه أمام المعلم معتزّين فرحين، فيأمرهم أن يلقوه على ظهره و يرفعوا رجليه، ثم يتناول الفلقة و يضع رجليه بين الحبل و الخشبة... ثم ينهال المعلم ضربا على رجليه... و يقول له: تهرب بعد يا خبيث، فيقول: و اللّه يا شيخي ما عدت أهرب أبدا. أما عدد الجلدات فليس له حدّ في شرع المعلمين و ليس هو كحدّ الزنا و شرب الخمر له مقدار، بل هو نوع من التغرير الموكول أمره في الشرع إلى نظر الإمام، و هذا موكول أمره إلى نظر المعلم، فيختلف بحسب اختلاف ذنب الطفل و تكرره منه و مقدار درجة عقل المعلم و تفاوت حاله في الغضب و حظ الطفل في السعادة و التعاسة... » [١] .
على أن صدمة الكتّاب لم تصرفه عن طلب العلم الذي وجد في البيت مناخا ملائما لتحصيله بعيدا عن التوتر في ظل سلطة الشيخ المتغطرس. و مثل هذا البيت لم يكن غريبا عن تقاليده أن يكون لسيّدته حظّ من العلم، و أن تتعهد بنفسها رعاية الخطوات الأولى للصّبي الوحيد. فتتولى تعليمه القرآن، حتى إذا اختتمه شرع في تعلّم الكتابة، ثم النحو برعاية «شيوخ العشيرة» . لقد وضع قدميه على الطريق،
[١] المرجع نفسه، ص ٢٥.
غ