الشيعة في مسارهم التاريخي - الأمين، السيد محسن - الصفحة ٣٧١ - ما انفردت به الشيعة الإمامية عن الأشاعرة في أصول العقائد
و الصغائر المستخفة من الأنبياء عليه السّلام قبل النبوّة و في حالها و جوزت في الحالين وقوع ما لا يستخف من الصغائر، ثم اختلفوا فمنهم من جوز على النبيّ الإقدام على المعصية الصغيرة على سبيل العمد، و منهم من منع ذلك، و قال: إنهم لا يقدمون على الذنوب التي يعلمونها ذنوبا بل على سبيل التأويل، و حكى عن النظام و جعفر بن مبشر و جماعة ممن تبعهما أن ذنوبهم لا تكون إلاّ على سبيل السّهو و الغفلة، و إنهم مؤاخذون بذلك و إن كان موضوعا عن أممهم لقوة معرفتهم و علو مرتبتهم-ثم قال-:
و اعلم أنّ الخلاف بيننا و بين المعتزلة في تجويزهم الصغائر على الأنبياء (صلوات اللّه عليهم) يكاد يسقط عند التحقيق، لأنهم إنما يجوزون من الذنوب ما لا يستقر له استحقاق عقاب و إنما يكون حظّه تنقيص الثواب على اختلافهم أيضا في ذلك، لأنّ أبا عليّ الجبائي يقول: إن الصغير يسقط عقابه بغير موازنة، فكأنهم معترفون بأنه لا يقع منهم ما يستحقّون به الذم و العقاب، و هذه موافقة للشيعة في المعنى لأن الشيعة إنما تنفي عن الأنبياء عليهم السّلام جميع المعاصي من حيث كان كلّ شيء منها يستحق به فاعله الذم و العقاب لأن الإحباط باطل عندهم، و إذا بطل الإحباط فلا معصية إلاّ يستحق فاعلها الذم و العقاب، فإذا كان استحقاق الذم و العقاب منفيا عن الأنبياء عليهم السّلام وجب أن ينفى عنهم سائر الذنوب و يصير الخلاف بين الشيعة و المعتزلة متعلقا بالإحباط، فإذا بطل الإحباط فلا بد من الإتفاق على أن شيئا من المعاصي لا يقع من الأنبياء من حيث يلزمهم استحقاق الذم و العقاب.
و قال السعد التفتازاني في شرح العقائد النسفية [١] : الأنبياء معصومون عن الكذب خصوصا فيما يتعلّق بتبليغ الأحكام أما عمدا فبالإجماع و أما سهوا فعند الأكثرين، و معصومون عن الكفر قبل الوحي و بعده بالإجماع و كذا عن تعمّد الكبائر عند الجمهور خلافا للحشوية، و إنما الخلاف في امتناعه بدليل السّمع أو العقل، و أما سهوا فجوزه الأكثرون، و أما الصغائر فتجوز عمدا عند الجمهور
[١] شرح العقائد النسفية، التفتازاني: ٢/٢٤٧.