الشيعة في مسارهم التاريخي - الأمين، السيد محسن - الصفحة ٩٦ - توهم صاحب حاضر العالم الإسلامي و المعلّق عليه
و مع كون الدين الإسلامي يمنع العصبية للأجناس و يضع فوقها أخوّة المؤمنين خاصة كانت لا تزال ترى آثار العصبية الفارسية في بلاد الفرس بالرغم من مزج الإسلام للأجناس، حتّى قال الصاحب بن عباد [١] و هو فارسي الأصل خالص العقيدة الإسلامية عندما جاء أحد الفرس و تلا الأبيات التي يفتخر بها على العرب و جاوبه عليها بديع الزمان الهمذاني [٢] : ما رأيت رجلا يفضل الفرس على العرب إلاّ و فيه عرق من المجوسية.
و لما رسخت قدم الإسلام في الفرس و زال كلّ عرق للمجوسة منهم عشقوا التشيّع عشقا كان أعظم عوامله كره العرب إلى أن كان الإنسان يراهم شيعة قبل كلّ شيء، و ممّا ينسب إلى الفيلسوف الفرنساوي (رنان) إن الفرس شيعة أولا، و مسلمون ثانيا، و لا شك أن في هذا القول مبالغة و إنّما يصدق على كثير من عامتهم.
أقول: و في أصل هذا الكلام و التعليق عليه من الخبط و الخلط و مخالفة الحقيقة ما لا يخفى، و من المؤسف المخجل جدا أن الإنحطاط قد بلغ بالمسلمين إلى حدّ أن صاروا يأخذون تاريخهم و فلسفة دينهم عن الفرنج كأنه ليس في الإسلام مؤرخ و لا فيلسوف نأخذ تاريخنا و فلسفة ديننا عنه، كلا و اللّه لسنا بحاجة إلى المؤرخ الأميركي و الفيلسوف الفرنساوي و ما علمهما بذلك، و لكن التقليد و الاستسلام للغربيين في كلّ شيء و صغر النفوس أدّى بهؤلاء إلى ذلك، حتّى أنهم اتبعوا في تقسيم آيات القرآن الكريم إلى أقسامها بعض الفرنج في كتاب يسمى:
تفصيل آيات الذكر الحكيم، مطبوع بمصر و جاء الدور إلى مؤلف كتاب حاضر
[١] إسماعيل بن عباد بن عباس الطالقاني، الصاحب بن عباد، الأديب الكاتب، وزير الملك مؤيد الدولة بويه بن ركن الدولة، صحب الوزير ابن العميد فاشتهر باسم الصاحب، له تصانيف و تآليف في اللغة و الإمامة، كان شيعيا معروفا، توفي في سنة (٣٨٥ هـ) . ظ: وفيات الأعيان: ١/٢٢٨، شذرات الذهب: ٣/١١٣، سير أعلام النبلاء: ١٦/٥١١ ترجمة رقم (٣٧٧) .
[٢] أحمد بن الحسين بن يحيى الهمذاني، أبو الفضل بديع الزمان، صاحب كتاب المقامات، مات بهراة في سنة (٣٩٨ هـ) مسموما، ظ: معجم الأدباء: ٢/١٦١، وفيات الأعيان: ١/١٢٧، شذرات الذهب: ٣/١٥٠.