الشيعة في مسارهم التاريخي - الأمين، السيد محسن - الصفحة ٢٣ - ٦-الإنجاز العظيم
الأدبية. و الذين لم ينعموا بالموهبة، فقد تذوّقوا الشعر و أحسنوا الاستماع إليه و حفظوا الروائع منه. و لعل المناخ الثقافي الذي ساد العراق، خصوصا النجف منذ القرن التاسع عشر، كان له تأثير على هذه العلاقة الحميمة بين الفقه و الأدب. و إذا كان السيد الأمين قد نظم الشعر قبل الذهاب إلى النجف، فإن أجواء الأخيرة لم تكن غائبة عن أسرته المتحدرة أساسا من العراق، و التي كان الشعر قد ترعرع فيها إلى جانب العلم. و لكن مرحلة الدراسة في النجف، حيث الحركة الأدبية أكثر نضجا، أسهمت في إكساب تجربته على هذا الصعيد بعدها التأملي الفلسفي.
و إذا كان الاهتمام بالتاريخ ممّا ألفه الفقهاء منذ القرون الأولى في الإسلام، نظرا للعلاقة التكاملية بينه و بين العلوم الدينية في ذلك الوقت، فإن السيد الأمين خاض فيه من موقع الباحث برؤيته و مسوغاته، و ليس بهدف المراكمة أو إثارة المواقف. فلا بدّ إذا من إضافة جديد، أو سدّ نقص، أو كشف مجهول، أو غير ذلك مما يسوّغ البحث أو التأليف أو التحقيق، وفقا لشروط «حاجي خليفة» أو بعضها في «كشف الظنون» . و السيد عندما كتب «أعيان الشيعة» ، إنما كان ينطلق من هذه الأساسيات، و ليس من خليفة مذهبية لا تعبّر عنها بالمطلق اتجاهاته الإسلامية الوحدوية. و «الأعيان» عبارة عن موسوعة كبيرة تشمل تعريفا بالعلماء و الفقهاء و المحدّثين و المؤرخين و الجغرافيين و النحويين و الشعراء و الأدباء و الوزراء و القضاة و غيرهم ممن خلت منه أو كادت المصنفات العربية، و كانوا ظلوا مجهولين لو لم يكرّس الوقت و الجهد و الصحة وضوء العينين للقيام بهذا العمل الكبير. و لقد استطاع السيد بدأبه و صبره تجميع المادة المتناثرة، مستفيدا من رحلاته الكثيرة، حيث كانت المكتبات ما يعنيه أساسا في البلدان التي حطّ رحاله فيها. و من طريف ما يرويه في هذا السياق و كان قد نزل في ضيافة أحد العلماء بكر منشاه: «أحضر صاحب المنزل لنا كتبا كثيرة و نحن ننقل منها و الحاضرون يساعدوننا... » [١] .
كما روى أثناء زيارته لـ «بلد الشاه عبد العظيم» في ضواحي طهران:
[١] رحلات السيد محسن الأمين، ص ١٤٦.