الشيعة في مسارهم التاريخي - الأمين، السيد محسن - الصفحة ٢٥١ - كلام للذهبي في تذكرة الحفاظ
و ما دعا إليه الذهبي من الجمود و التقليد في العقائد هو المردي المهلك الّذي لا يلائم علم النبوّة و لا توحيد المؤمنين، فعلم النبوّة دعا إلى البحث و الاستدلال، أما قوّة شوكة الرافضة و المعتزلة التي ساءت الذهبي لأنه يرى عقيدته وحيا منزّلا و يريد حمل الناس عليها شاؤوا أم أبوا، مع أن ما يخالفهم فيه هو من الأمور الاجتهادية التي يجوز فيها الخطأ و ليست من ضروريات الدين و لا من أركان الإسلام، مثل مسألة الإمامة، و رؤية الباري تعالى يوم القيامة، و إن العباد مجبورون على أفعالهم، و إنكار الحسن و القبح العقليّين، و خلق القرآن، و إن صفات اللّه غير ذاته.
و هذه هي عمدة المسائل المختلف فيها بين الأشاعرة و الشيعة و المعتزلة كما سيأتي في البحث العاشر، و يجوز أن يكون الحقّ فيها مع الشيعة و المعتزلة إذ للنظر و الرأي و الاجتهاد فيها مجال و لا يجوز فيها التقليد، و الذهبي و غيره إنما يتبعون فيها قول الأشعري الّذي يجوز عليه الخطأ و لم يرد في ذلك من نصّ النبوّة ما يجعله ضروريا، و الخصم يدّعي ورود النصّ فيها على ما يوافقه، كما أشار إليه من قال من المعتزلة (بلا و لن و القدقفة) في الأبيات المشهورة، و لذلك لم يحمل النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من يريد الإسلام على الإقرار بها بل اكتفى منه بإظهار الشهادتين و الإلتزام بضروريات أحكام الشرع.
و هكذا خلق القرآن أمر اجتهادي ليس من ضروريات الدين و لعلّ الصواب فيه مع المثبتين، و إذا كان العقل المنزّه عن شوائب التقليد هو الحكم في أمثال ذلك فلا وجه لعزله عن الحكم و تقليد من يجوز عليه الخطأ، و من قال بعدم خلق القرآن إنما اعتمد على إثبات الكلام النفسي الّذي هو غير الحروف و الأصوات، و الّذي هو معنى قائم بالنفس غير الإرادة و الكراهة و العلم، مع أنه ليس من المعقول شيء وراء هذه كما ستعرف في البحث العاشر، و إذا عرفت ما كنت تنكر أو أنكرت ما كنت تعرف بدليل و برهان فليس ذلك من البلاء بل من البلاء البقاء على ما كنت تعرف و هو باطل، أو على إنكار ما كنت تنكر و هو حقّ: إِنََّا وَجَدْنََا آبََاءَنََا [الزخرف: ٢٢].