الشيعة في مسارهم التاريخي - الأمين، السيد محسن - الصفحة ٢١ - ٥-في السّياسة و الإصلاح التّربوي و الاجتماعي
كانت المدرسة المدخل الرئيس لإصلاح المجتمع الغارق في الجهل، و العازف عن مواكبة التقدم في العالم المتحضّر. و قد خاض السيد بشجاعة التجربة الرائدة، فلم تثنه عن عزمه حملات المنتقدين و المشككين، أولئك الذين وجدوا في حركته تهديدا لمواقعهم، فحاربوه، قبل أن يعود بعضهم إلى اقتفاء نهجه بعد سنوات طويلة. المدرسة إذا، كانت المدماك المتين الذي تأسس عليه مشروعه لإصلاح المجتمع و تنشئة أجيال واعدة تمارس دورها في البناء و التقدّم.
و لعلها من هذا المنظور ليست مجرّد صفوف و تلاميذ و معلمين، و لكنها أفكار أيضا، و نهج ينسحب على المجتمع كافة، بما في ذلك التقاليد و الأعراف و المفاهيم. و الفقيه من موقع المرجعية مسؤول عما يعوّق حركة المجتمع نحو التقدّم، فلا يدع الأوهام تأخذ بعقول الناس، و لا يتهيّب كشف الحقائق أمامهم.
فالجهل لا يحول فقط دون التقدم، و لكنه يقطع بين الناس و تراثهم، و يجعل عقولهم هدفا للتشويه و الأسطرة و الجمود. و السيد يقوم هنا بما يمليه عليه دوره المرجعي الإسلامي لإصلاح المجتمع، مستهديا بقول الإمام علي: «إن للّه عبادا يختصّهم اللّه بالنعم لمنافع العباد، فيقرّهم في أيديهم ما بذلوها، فإذا منعوها نزعها منهم ثم حوّلها إلى غيرهم» [١] . و على خطى الإمام كان عاملا لما يفيد الناس و دافعا ما استطاع عنهم الضرر. و في ضوء نهجه العقلاني كان موقفه الشهير من «مجالس العزاء» ، و دعوته إلى تهذيب نصوصها و تجديد طرائقها. «فكان ما يتلى فيها من أحاديث غير صحيحة-و الكلام هنا للسيد-و من ضرب الرؤوس بالسيوف و القامات و بعض الأعمال المستنكرة» [٢] ، ما دفعه إلى خوض أصعب المعارك في حياته، و ذلك لما أثارته من ردّات فعل عنيفة، سواء في لبنان أو في العراق.
و لن ندخل في تفاصيل هذه الحركة الرّائدة، فهي معروفة و متداولة في الذاكرة و الأبحاث و الدراسات، و سنكتفي بإبراز الدلالة و ما رافقها من حوافز نفترض أنها تدخلت فيها. و من اللافت أن المجالس الحسينية التي كانت لا تزال
[١] نهج البلاغة، ج ٣، ص ٢٥٥.
[٢] المصلح الإسلامي السيد محسن الأمين، ص ١٠٩.