الشيعة في مسارهم التاريخي - الأمين، السيد محسن - الصفحة ١٥٦ - كلامه في فجر الإسلام في عليّ
الواضعين أو المبتدئين بالوضع من غيرهم لا منهم، و بعد فلو صحّ أن الشيعة وضعت شيئا في الفضائل فما أخفي منها عداوة و حسدا شيء كثير، و ما وضع في فضائل غيره أكثر و أكثر.
و ذكر [١] كلاما طويلا حاصله: أنه بعد انقطاع الوحي و اتساع المملكة الإسلامية واجه المسلمون مسائل كثيرة في كلّ شأن من شؤون الحياة، و احتاجوا إلى تشريع لم يكونوا يحتاجون إليه، و هم في جزيرة العرب-إلى أن قال-:
و أحوال في الزواج لم يكن يعرفها العرب، و أنواع في طريقة التقاضي لم يكن لهم بها عهد، و جنايات ترتكب لم يرتكبها العرب في حياتهم البسيطة، و لم يدّع أحد أن القرآن و السنّة الصحيحة نصا في المسائل الجزئية على كلّ ما كان و ما هو كائن، فنتج عن هذا أن كان أصل آخر من أصول التشريع و هو الرأي الّذي نظم بعد و سمي بالقياس.
و نقول: لو سلّمنا أنّ الكتاب و السنّة لم ينصّا على جميع جزئيات المسائل، ففي الكتاب و السنّة و حكم العقل القطعي و الإجماع قواعد كلية يمكن إرجاع جميع تلك الجزئيات إليها، مثل أصل الإباحة الثابت بقبح العقاب بلا بيان، و بقوله تعالى: وَ مََا كُنََّا مُعَذِّبِينَ حَتََّى نَبْعَثَ رَسُولاً [٢] [الإسراء: ١٥]فيعلم منه حكم كلّ ما شك في وجوبه أو تحريمه ممّا لا ضرر فيه، و مثل النّاس مسلّطون على أموالهم، لا يحلّ مال امرىء إلاّ عن طيب نفسه إلى غير ذلك من القواعد الثابتة في الشرع التي يمكن إرجاع جميع الجزئيات إليها، و لذلك لما اعترض الإمام أبو حنيفة على محمّد بن النعمان الأحول المعروف بمؤمن الطاق بأنكم حيث لا تعملون بالقياس تبقون متحيرين في بعض الفروع، فلو خرج بعير من البحر ما تصنعون به؟قال: إن كان له فلس أكلناه و إلاّ فلا سواء أكان بعيرا أم ناقة.
قال [٣] : جرى على هذا كثير من الصحابة، فكانوا يستعملون رأيهم حيث لا
[١] م. ن. ، ص ٢٨٨.
[٢] م. ن. ، ص ٢٨٩.
[٣] م. ن. ، ص ٢٩٠.
غ