الشيعة في مسارهم التاريخي - الأمين، السيد محسن - الصفحة ٦٨٣ - إفريقيه
مصر و انتقل إليها سنة (٣٦٢ هـ) و استمرت الخطبة لهم بافريقية إلى سنة (٤٣٥ هـ) فأزال خطبتهم المعزّ بن باديس الصنهاجي و خطب للقائم العباسي، و كاشف المستنصر الّذي بمصر بخلع الطاعة و قتل من كان بإفريقية من شيعتهم، فسلّط اليازوري وزير المستنصر العرب على إفريقية حتى خرّبوها.
فلينظر الناظر و ليعتبر المعتبر ما جرت إليه التعصّبات المذهبية بين المسلمين من قتل العباد و تخريب البلاد، و فيما حفظه التاريخ موعظة و عبرة لمن تبصر و اعتبر، و في زمان ملك الفاطميّين لبلاد المغرب كثرت الشيعة فيها حتى صار جلّ أهلها شيعة، و حتى أن بعض أهل فلسطين قال: لو كان معي عشرة أسهم لرميت تسعة في المغاربة و واحدا في الإفرنج، و هذا ظفر به العلوي المصري فسلخ جلده حيّا حتى مات.
قال إبن الأثير [١] : و في سنة (٤٠٧ هـ) قتلت الشيعة بجميع بلاد إفريقية، و ذلك أن المعزّ بن باديس ركب و مشى في القيروان فاجتاز بجماعة، فسأل عنهم فقيل: هؤلاء رافضة، فترضى عن الشيخين، فانصرفت العامة من فورها إلى درب المقلى من القيروان-و هو مكان يجتمع به الشيعة-فقتلوا منهم، و كان ذلك شهوة العسكر و اتباعهم طمعا في النهب، و انبسطت أيدي العامة في الشيعة و أغراهم عامل القيروان و حرّضهم، و سبب ذلك أنه كان قد أصلح أمور البلد فبلغه أن المعزّ بن باديس يريد عزله فأراد فساده، فقتل من الشيعة خلق كثير و أحرقوا بالنار و نهبت ديارهم و قتلوا في جميع إفريقية، و اجتمع جماعة منهم إلى قصر المنصور قريب القيروان فتحصنوا به فحصرهم العامة و ضيّقوا عليهم، فاشتد عليهم الجوع فأقبلوا يخرجون و الناس يقتلونهم حتى قتلوا عن آخرهم، و لجأ من كان منهم بالمهدية إلى الجامع فقتلوا كلّهم، و أكثر الشعراء ذكر هذه الحادثة فمن فرح مسرور و من باك حزين.
و لا يعرف اليوم هناك أحد من الشيعة، فانظر إلى ما بلغ به الحال بالمسلمين و أمرائهم أن يقتلوا النّاس ظلما و عدوانا أو طمعا بالنهب أو خوفا على الولاية من
[١] الكامل في التاريخ، ابن الأثير: ٩/٢٩٤، في حوادث سنة (٤٠٧ هـ) .