الشيعة في مسارهم التاريخي - الأمين، السيد محسن - الصفحة ٣٨٦ - مذهبهم في الصحابة
و مما يمكن أن يذكر في المقام أن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم توفي و من رآه و سمع منه زيادة على مائة ألف إنسان من رجل و امرأة على ما حكاه ابن حجر في الإصابة [١] عن أبي زرعة الرازي، و قيل مات صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عن مائة و أربعة عشر ألف صحابي، و من الممتنع عادة أن يكون هذا العدد في كثرته و تفرّق أهوائه و كون النفوس البشرية مطبوعة على حبّ الشهوات كلّهم قد حصلت لهم ملكة التقوى المانعة عن صدور الكبائر و الإصرار على الصغائر بمجرد رؤية النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و الإيمان به، و نحن نعلم أن منهم من أسلم طوعا و رغبة في الإسلام و منهم من أسلم خوفا و كرها و منهم المؤلّفة قلوبهم.
و ما كانت هذه الأمة إلاّ كغيرها من الأمم التي جبلت على حبّ الشهوات و خلقت فيها الطبائع القائدة إلى ذلك إن لم يردع رادع و الكلّ من بني آدم و قد صحّ عنه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أنه قال: (لتسلكن سنن من قبلكم حذو النعل بالنعل و القذة بالقذة، حتى لو دخل أحدهم جحر ضب لدخلتموه) [٢] . و لو منعت رؤية النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من وقوع الذنب لمنعت من الارتداد الّذي حصل من جماعة منهم كعبد اللّه بن جحش، و عبيد اللّه بن خطل، و ربيعة بن أمية بن خلف، و الأشعث بن قيس [٣] و غيرهم.
هذا مع ما شوهد من صدور أمور من بعضهم لا تتفق مع العدالة كالخروج على أئمّة العدل و شقّ عصا المسلمين و قتل النفوس المحترمة و سلب الأموال المعصومة و السبّ و الشتم و حرب المسلمين و غشهم و إلقاح الفتن و الرغبة في الدنيا و التزاحم على الأمارة و الرياسة و غير ذلك مما كفلت به كتب الآثار و التواريخ و ملأ الخافقين، و أعمال مروان بن الحكم في خلافه عثمان معلومة مشهورة، و كذلك بسر بن أرطاة، و المغيرة بن شعبة، و الوليد بن عقبة و كلّهم من الصحابة.
[١] الإصابة: ١/١٥٤.
[٢] المستدرك، الحاكم: ١/١٢٩.
[٣] الثلاثة الأولون ارتدوا و ماتوا على الردّة، و الأشعث ارتد فأتي به إلى أبي بكر (رض) أسيرا فعاد إلى الإسلام و زوجه أخته و كانت عوراء فأولدها محمدا أحد قتلة الحسين عليه السّلام.