الشيعة في مسارهم التاريخي - الأمين، السيد محسن - الصفحة ٩٥ - توهم صاحب حاضر العالم الإسلامي و المعلّق عليه
إنه قام مقام الأبطال حاملي لواء الإسلام الأولين أمراء دينيّون اتخذوا الخلافة وسيلة للجور و الظلم و التباهي بمتاع الدنيا، و كانت الخلافة في الحجاز شوروية قائمة على قواعد الإسلام الصحيحة، أما في دمشق و بغداد فقد تحوّلت الأحوال و تبدّلت الأمور، و لمّا نقلت الخلافة إلى بغداد ازدادت كلمة الفرس نفوذا و ما الخليفة الأعظم هارون الرشيد إلاّ الملك العربي على شاكلة ملوك الفرس، و في بغداد كما في غيرها كان الاستبداد مقوّضا لأركان الدولة، فغدا خلفاء النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم و هم على هذه الحال طغاة موسوسين و ألاعيب بين أيدي الحظايا.
فلما دخلت شعوب مختلفة غير عربية في الإسلام أخذ كلّ شعب منها يفسر بوحي غريزته رسالة النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم على ما يلائم منازعه الشعبية، و يوافق روح التهذيب الّذي كان عليه، فنتج عن جميع ذلك أن الإسلام الحقيقي الّذي شاهده العالم في أول منشئه قد اعوج و التوى.
قال: و لنا أجلى دليل على هذا ما حدث في بلاد فارس، حيث استحالت الوحدانية التي نادى بها محمّد إلى مذهب الشيعة فبات أهل فارس الشيعة على صلات واهية تكاد لا ترتبط بعالم السنة الإسلامي.
و قال الأمير شكيب فيما علّقه على هذا المقام ما لفظه: يذهب بعضهم إلى كون استيلاء العرب على فارس و إبادتهم ملك كسرى مع ما كان من العداوة بين الأمتين منذ أحقاب، كان من نتائجها إيغار صدور العجم على العرب و تربصهم بهم الدوائر حتّى يأخذوا منهم بثأرهم، و لمّا كان دين الفرس المجوسية قد تلاشى أمام الدين العربي المبين انتهز الفرس أول شقاق وقع في الإسلام نفسه و نصروا الفئة التي وجدوا أكثر العرب ضدّها و هي الشيعة، و لعبوا دورا عظيما في توسيع هذه الفتنة بين العرب من طريق الدين فشفوا أحنّتهم من العرب بدون أن يقاوموا نفس الإسلام الّذي رأوا برهانه أسطع من أن يكابر، بل بمقاومة إحدى فئتيه التي هي السنّة و الجماعة، لهذا نجد الفارسي يحتقر العرب و يحتقر كلّ شيء لهم إلاّ الدين، و ترى مهيارا الديلمي يقول:
قد جمعت المجد من أطرافه # نسب الفرس و دين العرب