الشيعة في مسارهم التاريخي - الأمين، السيد محسن - الصفحة ١١ - ٣-على خطى العلماء
و السّيّد، عندما يحدّثنا عن طفولته في القرية، فالشريط يتعدى الأخيرة إلى جبل عامل، حيث أصبحت الأسرة القادمة من العراق جزءا من التركيبة الاجتماعية فيه، منخرطة في شؤونه و شجونه. و المعاناة هي الجامع المشترك حينذاك بين السكان الرازحين تحت الظلم، تمارس ألوانه السلطنة العثمانية عبر أدواتها «الملتزمين» الذين أرهقوا الجبل بالضرائب و السخرة، فضلا عن تحريض القوى الدائرة في فلكها للقيام بعمليات عسكرية ضدّه. و هذه المعاناة نال السّيّد الطفل نصيبه الوافر منها، و أشدها وطأة الفقر الذي كان أبوه (السيد عبد الكريم) من قبل قد واجه فصولا صعبة منه، حيث نشأ يتيما في بيت صغير و انتهى به الأمر إلى فقدان البصر. و لقد تأثر السيد كثيرا بالأب الورع الزاهد، كما أن الجدّ (السيد علي) ، العالم الكبير، لم يكن غائبا عن ذهن الفتى المنبهر بشخصيته و سلوكه [١] .
و لم يغفل تأثّره بالوالدة «ابنة العالم الصالح الشيخ محمد حسين فلحة الميسي» ، و قد وصفها بأنها «صالحة ذكية... عابدة، مواظبة على الأوراد و الأدعية» [٢] ، و اعترف بفضلها العظيم على تربيته و حثّه منذ الطفولة على طلب العلم [٣] .
٣-على خطى العلماء
في ظلّ أسرة عريقة كهذه، كان الخيار واضحا أمام الأبناء و هم يقتفون آثار السلف، و ينضوون طوعا تحت راية التقاليد. و على الرغم من تعثّر المسيرة في بدايتها، فلم ير السيد خيارا آخر في طريقه، هذا الذي بدا غير واضح حينذاك.
و لم يكن سوى الكتّاب المتواضع ما يلبّي الحاجة الماسّة في الزّمن الصّعب.. كان ذلك في العام ١٢٩١ هـ، و قد بلغ الصّبي السابعة من عمره، و هو «سنّ التمييز» حسب تعبيره [٤] . على أنه سرعان ما يضيق صدره بالمكان، خصوصا شخصية المعلّم المتجهّم و الممتلىء قسوة، و الذي نفر منه الصّبي منذ أن وطأت قدماه عتبة
[١] المرجع نفسه، ص ٢٣.
[٢] المكان نفسه.
[٣] المكان نفسه.
[٤] المرجع نفسه، ص ٢٤.