الشيعة في مسارهم التاريخي - الأمين، السيد محسن - الصفحة ٣٢٨ - و مصحف فاطمة عليهم السّلام
على الدهرية و على مخالفيهم بما أمكنهم، فكونوا بذلك سلسلة دعاية متينة كان لها أثرها النافع، و بذلك كثر أتباعهم و محبوهم و المتشيّعون لهم و انتشروا في أقطار الأرض رغم ما أسسه الأمويون و العباسيون من الدعاية ضدّهم في نحو من ستمائة سنة بل إلى اليوم، مع كون الدنيا في يدهم، و مع ذلك لم يستطيعوا محو فضلهم و لا إخماد ذكرهم و لم يزل ذكرهم و فضلهم ينتشر و يشتهر حتى ملأ أقطار الأرض، و كانت الدعوة لهم تشربها القلوب و الأذهان و لا تمجّها الطباع و الأسماع فإنها موافقة للعقول و الأذواق كأصل الدعوة الإسلامية فإن وصفهم واصف بصفات الفضل و الكمال كانوا أهلها و مستحقيها لا يمكن لأحد أن ينازعهم فيها، و إن فضّلهم على سواهم كانت حجّته ظاهرة و أدلته بيّنة و لم يخالفها إلاّ مكابر أو معاند، لذلك انتشرت الدعوة لهم في جميع البلدان و الشعوب و لم يكن يصدّها و لا يقف في طريقها إلاّ الخوف، و ما كانت معاداة الناس لهم إلاّ حسدا أو خوفا على الملك.
و جاء من بعد الحسين ولده زين العابدين عليه السّلام فأسدى إلى الإسلام منافع جلّى في مدة تقرب من (٣٥) سنة من سنة (٦١ هـ) إلى سنة (٩٥ هـ) عاصر فيها خمسة من ملوك بني أمية، يزيد بن معاوية، و معاوية بن يزيد، و مروان بن الحكم، و عبد الملك بن مروان، و الوليد بن عبد الملك، بما كان قدوة للمسلمين في زهده و ورعه و عبادته حتى لقب زين العابدين و السجّاد، و حلمه و جميل صفاته، و روى عنه فقهاء الإسلام من العلوم ما لا يحصى كثرة، و حفظ عنه من المواعظ و الأدعية و فضائل القرآن و الحلال و الحرام و المغازي و الأيام ما هو مشهور بين العلماء، و قلّما يوجد كتاب زهد و موعظة لم ينقل فيه عنه.
و قد كان لزين العابدين عليه السّلام بعض السّعة لنشر علومه التي ورثها عن أبيه عن أجداده عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم و إن كان في دولة الملك العضوض ملك بني أميّة ألد الأعداء لبني هاشم عامة و لآل عليّ خاصة، إلاّ أن بني أمية بعد قتل الحسين عليه السّلام لما رأوا نقمة الناس عليهم كفّوا عن المجاهرة بظلم أهل البيت شيئا ما ففسح لهم المجال في نشر علومهم، و قد أمنوا أيضا بعض الأمن من مطالبتهم بالخلافة و الخروج عليهم، و يدلّ على ذلك أيضا أن أهل المدينة وفدوا