الشيعة في مسارهم التاريخي - الأمين، السيد محسن - الصفحة ١٥١ - كلامه في فجر الإسلام في عليّ
قال [١] : و نسبوا إليه ما في نهج البلاغة، و قد شكّ في مجموعه النقاد قديما و حديثا، كالصفدي، و هوار (الفرنجي في كتابه الأدب العربي) و استوجب هذا الشك ما في بعضه من سجع منمق و صناعة لفظية لا تعرف لذلك العصر كقوله:
(أكرم عشيرتك فإنهم جناحك الّذي به تطير و أصلك الّذي إليه تصير) و ما فيه من تعبيرات إنما حدثت بعد أن نقلت الفلسفة اليونانية إلى العربية، و بعد أن دوّنت العلوم كقوله: (الاستغفار على ستّة معان، الإيمان على أربع دعائم) و كالّذي فيه من وصف الدار و تحديده بحدود هي أشبه بتحديد الموثقين كقوله: (و تجمع هذه الدار حدود أربعة الحدّ الأول ينتهي إلى دواعي الآفات... الخ) هذا إلى ما فيه من معان دقيقة منمقة على أسلوب لم يعرف إلاّ في العصر العباسي كما ترى في وصف الطاووس.
و نقول: الحق أن الّذين أظهروا الشك فيه ليسوا هم النقاد، فالنقاد يجزمون لأول وهلة بأن هذا الدر لم يكن ليخرج إلاّ من ذلك البحر، و هذا الجوهر ليس إلاّ من ذلك المعدن، فنهج البلاغة له منه عليه شواهد.
و إنّ الذي استوجب إظهار الشك ليس هو الأمور التي ذكرها و إنّما الّذي استوجبه-كما قاله الأمير شكيب أرسلان في مجمع بدمشق-هو اشتماله على بعض الكلام في حقّ الصحابة المقدّسين في نظرهم، و الّذي لا تقبل عقولهم أن يقول عليّ عليه السّلام فيهم مثل هذا الكلام، فالتجأوا إلى إظهار التشكيك في الكتاب كلّه.
أما المستشرقون المبشرون أمثال هوار فالّذي استوجب تشكيكهم فيه معروف معلوم يرجع إلى التبشير.
و ليس شيء أغرب و أعجب من استشهاد المسلمين مثل مؤلّف الفجر بأقوال أمثال هوار، فما الّذي يعرفه هوار و غيره من المستشرقين من أساليب اللّغة العربية و بلاغتها مهما بلغوا في تعلّمها حتى يشكّكوا في نهج البلاغة و هم لا تزال العجمة غالبة عليهم.
[١] فجر الإسلام، أحمد أمين المصري: ١/١٨٣.