الشيعة في مسارهم التاريخي - الأمين، السيد محسن - الصفحة ١٥٢ - كلامه في فجر الإسلام في عليّ
و من المؤسف أن يعمد المسلمون إلى أعظم مفخرة للإسلام فيشككوا فيها، و تبلغ بهم الغفلة إلى أن يمشوا وراء المبشّرين في ذلك، و من الغريب الاستناد في التشكيك إلى هذه الأمور الواهية التي ذكرها، فالسّجع و الصناعة اللّفظية إذا جاءت عفوا بلا تكلّف هي من أقوى أنواع البلاغة، و هي موجودة في القرآن الكريم و في خطب ذلك العصر و كتبه، و مثل الاستغفار على ستّة معان و الإيمان على أربع دعائم ليس من الأمور الغامضة التي لا يمكن الاهتداء إليها إلاّ بالتعلّم من فلسفة اليونان و تدوين العلوم.
و كذلك وصف الدار و تحديدها و هل علمنا أن من كان يشتري دارا أو عقارا في ذلك العصر لا يكتب به وثيقة و لا يحدده بتحديد الموثقين، و اشتماله على المعاني الدقيقة المنمقة أحرى بأن يكون شاهدا لكونه من كلام أمير المؤمنين، و من أكثر غوصا على المعاني الدقيقة و أعرف بتنميقها منه.
قال: و حكايته مع أبي الأسود الدؤلي في وضع النحو معروفة مشهورة كلّ هذا ما يجعل من العسير على المؤرخ الناقد وصف شخصيته العلمية وصفا يطمئن إليه، ما في نهج البلاغة و ما روي عنه من الحكم و الأمثال أيه له و أيه ليس له، و ما صدر عنه من الأحكام و ما استشاره فيه الخلفاء أيه يصح عنه و أيه لا يصح، كلّ هذه الأشياء لا تزال مجالا للبحث.
و نقول: كلّ هذا الّذي قال عنه إنه يجعل من العسير على المؤرّخ الناقد وصف شخصية عليّ عليه السّلام العلمية، الحق أنه يجعل من السّهل جدا على المؤرخ الناقد المجرد عن التقليد وصف شخصية عليّ عليه السّلام من جميع نواحيها لا في العلم فقط بأنها شخصية فذة لا تدانيها شخصية بعد شخصية الرسول صلى اللّه عليه و آله و سلّم فإن ما رواه المؤالف و المخالف من فضائله في العلم و غيره، و شاع و ذاع عنه من أعدائه قبل أوليائه إن لم يكن كلّ واحد منه متواترا تواترا لفظيا، فمجموعه متواترا تواترا معنويا، و نهج البلاغة قد عرفت الكلام فيه، و ما روي عنه من الحكم و ما صدر عنه من الأحكام و الاستشارة حاله ما روي عنه من الفضائل و ليس شيء من ذلك كلّه مجالا لبحث و لا لتشكيك بل هو أجلى من الشمس الضاحية لو لا ربقة التقليد.