الشيعة في مسارهم التاريخي - الأمين، السيد محسن - الصفحة ٢٥٣ - كلام في نهج البلاغة
ركيك العبارة، و نفسه لا يوافق نفس القرشيين كما يقول الذهبي في ميزان الاعتدال [١] ، و تارة بأن فيه أسجاعا و السّجع لم يكن معروفا في ذلك العصر، و تارة بأن خطبته في وصف الطاووس تناسب مذاق المتأخرين لا القدماء، و تارة بمجرد الإنكار العاري عن الحجّة إلى غير ذلك مما فساده و سخافته أوضح من أن يبيّن.
ففي كتاب تاريخ الأدب العربي للأستاذ أحمد حسن الزيات المصري صفحة (٩٠) ما لفظه: و لا نعلم بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فيمن سلف و خلف أفصح من عليّ في المنطق، و لا أبلّ منه ريقا في الخطابة، كان حكيما تتفجر الحكمة من بيانه، و خطيبا تتدفق البلاغة على لسانه، و واعظا ملء السّمع و القلب، و مترسلا بعيد غور الحجّة، و متكلما يضع لسانه حيث شاء، و هو بالإجماع أخطب المسلمين، و إمام المنشئين، و خطبه في الحثّ على الجهاد، و رسائله إلى معاوية، و وصف الطاووس و الخفاش و الدنيا، و عهده للأشتر النخعي إن صحّ تعدّ من معجزات اللّسان العربي، و بدائع العقل البشري، و ما نظن ذلك قد تهيأ له إلاّ لشدّة خلاطه الرسول و مرانه منذ الحداثة على الكتابة له و الخطابة في سبيله.
ثم قال: كلام أمير المؤمنين يدور على أقطاب ثلاثة: الخطب و الأوامر، و الكتب و الرسائل، و الحكم و المواعظ، و قد جمعها على هذا النسق الشريف الرضي في كتاب سمّاه نهج البلاغة لأنه كما قال بحق يفتح للناظر فيه أبوابها و يقرب عليه طلابها (فيه حاجة العالم و المتعلّم، و بغية البليغ و الزاهد، و يضيء في أثنائه من الكلام في التوحيد و العدل ما هو بلال كلّ غلّة و جلاء كلّ شبهة) و الصحيح أن أكثر ما في الكتاب منحول مدخول.
أقول: التقليد آفة للعقول ليس مثلها آفة، و هو الّذي حمل الأمم على عبادة الأحجار، و الحيوانات الصامتة، و الكواكب المسخّرة، و هم ذوو ألباب راجحة، و أفهام حادّة، و عقول صحيحة، و هو الّذي حمل مشركي قريش على إنكار القرآن العظيم مع ما فيه من معجز البلاغة و الفصاحة الّذي بهر عقولهم حتى سمّوه
[١] ميزان الاعتدال، للذهبي: ٢/٤٣٦.