الشيعة في مسارهم التاريخي - الأمين، السيد محسن - الصفحة ٢٥٤ - كلام في نهج البلاغة
سحرا، و على القدح في ذات النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أكمل الخلق مع ما عرفوه قبل النبوّة من علوّ صفاته و رجاحة عقله، فقالوا: سََاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ [الذاريات: ٥٢]و هو الّذي حدا بالأمم السّالفة إلى إنكار نبوّة الأنبياء مع سطوع برهانهم، فكانت أكبر حجّة لهم: إِنََّا وَجَدْنََا آبََاءَنََا... [الزخرف: ٢٢]التقليد، التقليد آفة للإفهام و أي آفة و حجاب لنور العقل و أي حجاب، الصبي في صباه إذا قال شيئا و سئل عن حجّته فيه يقول هكذا قال أبي أو قالت أمي و التلميذ أكبر حجّة له هكذا قال معلمي.
جمع السيّد الرضي و هو من أهل بغداد كتابا من كلام أمير المؤمنين عليه السّلام سمّاه نهج البلاغة، إختاره من كلامه إختيار اليتيمة من بيت الجواهر في عصر كانت فيه مكاتب بغداد حافلة بملايين المخطوطات من كتب الإسلام التي جمعت في قرون، و كانت مكتبة أخيه المرتضى التي له النظر فيها الوحيدة من بينها مع ما اجتمع عنده و عند أخيه في مكاتبهما الخاصة من مئات الألوف من نفائس الكتب، و لم يكن اسم أحق بمعناه من هذا الإسم بمسمّاه، و قد اشتهر الكتاب في عصر جامعه و انتشر، و لم يكن جامعه من الخاملين في عصره و لا الكتاب مما يستهان به و لا منشئه من المغمورين، فلو كان أكثر ما فيه منحول مدخول كما يقول الأديب الزيات في تاريخ الأدب العربي لردّه علماء ذلك العصر و ما قبلوه و بيّنوا وجه الإنتحال فيه و أظهروه فشاع و ذاع، لكنّا لم نجدهم نبسوا ببنت شفة بل تلقوه بالقبول و الإعظام حتى خلف من بعدهم خلف رأوا فيه الخطبة الشقشقية التي إن لم تزد عن سائره فصاحة و بلاغة و حسن أسلوب فلا تنقص، و التي يعلم كلّ ناظر منصف فيها أنّ هذا الثمر من ذلك الشجر، و هذه الدرّة من تلك الدرر، فوجدوا فيها ما يخالف تقليدهم الموروث من تصريحه بأنه أحقّ ممن تقدّمه بالخلافة و الإمامة فقامت لذلك قيامتهم، و رأوا أحسن وسيلة للدفاع عن تقليدهم إنكار أن تلك الخطبة من كلامه.
ثمّ رأى قوم أن إنكارها وحدها يوجب الظن و التهمة فحاولوا إنكار الكتاب برمته، و جاء آخرون فرأوا أن إنكاره برمته قد لا يمكن فلجأوا إلى القول بأن فيه المدخول، و سرى هذا الداء إلى أدباء العصر و فضلائه و الّذين أخذوا على أنفسهم نبذ التقليد و لكنهم وقعوا فيه من حيث لا يعلمون، فليس كلّ من يريد نفي صفة