التنقيح - الحكيم، السيد محمد سعيد - الصفحة ١٧٤ - تقدم الاستصحاب و غيره من الأدلة و الأصول على أصالة البراءة
أما العقل فواضح، لأن العقل لا يحكم بقبح العقاب إلا مع عدم الدليل على التكليف واقعا، أو ظاهرا ١.
و أما النقل فما كان منه مساوقا لحكم العقل ٢ فقد اتضح أمره، و الاستصحاب وارد عليه.
و أما مثل قوله (عليه السلام): «كل شيء مطلق حتى يرد فيه نهي» فقد يقال: إن مورد الاستصحاب خارج منه، لورود النهي في المستصحب و لو بالنسبة إلى الزمان السابق ٣.
و فيه: أن الشيء مشكوك في بقاء حرمته لم يرد نهي عن ارتكابه في هذا الزمان، فلا بد من أن يكون مرخصا فيه، فعصير العنب بعد ذهاب ثلثيه بالهواء لم يرد فيه نهي ٤. و ورود النهي عن شربه قبل ذهاب الثلثين
(١) يعني: و حيث كان الاستصحاب دليلا على التكليف ظاهرا كان رافعا لموضوع البراءة العقلية. و قد تقدم توضيح مفاد البراءة العقلية في أول أدلة البراءة.
(٢) مثل قوله تعالى: وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا على ما سبق في مبحث البراءة.
(٣) فمثل العصير العنبي لا مجال لإجراء البراءة فيه بعد ذهاب ثلثيه بالهواء، لأنه ورد فيه نهي و لو بلحاظ ما قبل ذهاب الثلثين، حيث كان حراما قطعا.
(٤) و حاصله: أنه لا وجه لملاحظة العنوان الكلي في ورود النهي مع إغفال الخصوصية النهائية، بل لا بد من ملاحظتها في ورود النهي، فإذا اختص النهي الوارد بخصوصية لزم الاقتصار عليها و الرجوع في غيرها للإطلاق، و إلا لجرى ذلك في الخصوصيات غير الزمانية أيضا، فيكتفى في رفع اليد عن الإطلاق في بعض الخصوصيات بورود النهي في خصوصية غيرها، فلو شك في لحم الحمار امتنع