التنقيح - الحكيم، السيد محمد سعيد - الصفحة ١٧٥ - تقدم الاستصحاب و غيره من الأدلة و الأصول على أصالة البراءة
الرجوع فيه للبراءة لورود النهي في كلي اللحم بلحاظ مثل لحم الخنزير.
و دعوى: الفرق بين الخصوصية الزمانية و غيرها تحكم لا شاهد له.
أقول: ليس المدعى إلغاء الخصوصيات الزمانية، بحيث لو كان موضوع النهي هو الخصوصيات المقيدة بالزمان السابق لمنع من جريان أصل البراءة في غيرها مع فرض التباين بينها، فإن الاستصحاب هنا لا يجري أيضا، كما ذكره المصنف (قدّس سرّه) في التنبيه الثاني من تنبيهات الاستصحاب، بل المدعى أنه مع عدم أخذ الزمان قيدا في الموضوع و كون الموضوع هو الذات المطلقة الموجودة في الزمان الأول و الثاني لو فرض توجه النهي في الزمان السابق بنحو يكون الزمان طرفا للحكم لا قيدا للمحكوم، و شك في بقائه في الزمان الثاني لم يمكن التمسك بعموم: «كل شيء و مطلق حتى يرد فيه نهي»، لأن هذا الموضوع مما ورد فيه نهي و إن لم يعلم بقاؤه.
و منه يظهر أنه لا مجال للنقض بالخصوصيات الأخرى غير الزمان، إذ مع فرض إطلاق الموضوع و عدم أخذ شيء من الخصوصيات فيه يعلم بعموم الحكم لجميعها، و مع التقييد بشيء منها لا مجال لتسرية الحكم لغيره لتباين الخصوصيات فيما بينها، و ليس نظيرا للمقام، كما يظهر بالتأمل.
و بالجملة: مدلول الحديث اللفظي لا يقتضي عموم الإطلاق و البراءة لمورد الاستصحاب. نعم قد يقال: المنسبق من الحديث الشريف أن جعل الإطلاق فيه مبني بورود النهي ليس لكون وروده غاية شرعية تعبدية، بل لكونها غاية عقلية، لامتناع جعل الإطلاق ظاهرا- كجميع الأحكام الظاهرية- مع العلم بالحكم الواقعي، و من الظاهر أن العلم بالنهي إنما يمنع من جعل الحكم الظاهري إذا كان النهي حين العمل دون ما إذا كان سابقا عليه، لعدم كونه صالحا للعمل- حينئذ- حتى يمنع من الحكم الظاهري.
و مثل هذا الانصراف قرينة صالحة لصرف الإطلاق عن النهي السابق، و عليه