الاجتهاد و التقليد (التعليقة على معالم الأصول) - الموسوي القزويني، السيد علي - الصفحة ٢٢٥ - من شروط الاجتهاد معرفة علم الرجال
..........
تلك الأخبار من قوله (عليه السلام): «فيسقط صدقنا بكذبه» بناء على أنّ معناه سقوطه عن درجة الاعتبار بسبب ما طرأه من الاشتباه بما وضعه الكذّاب، بل هذه الرواية بنفسها دالّة على عدم جواز العمل إلّا بعد التمييز الّذي لا يتأتّى إلّا بمراجعة الرجال.
و من هنا أورد المحقّق في المعتبر- على ما حكي- على الحشويّة القائلة بجواز العمل بكلّ خبر، بقوله: «أفرط الحشويّة في العمل بخبر الواحد حتّى انقادوا لكلّ خبر، و ما فطنوا إلى ما تحته من التناقض، فإنّ من جملة الأخبار قول النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): ستكثر بعدي القالة عليّ» [١] يعني أنّ العمل بما مرّ من الأخبار مع غيرها مطلقا موجبا للتناقض، لوضوح أنّ العمل بغيرها إنّما يتمّ مع الإعراض عن هذه الأخبار و إلّا فهي ناهية عن العمل.
و خامسها: الأخبار العلاجيّة المشتملة على الرجوع عند التعارض إلى الأعدل و الأورع و الأفقه، و هذه الصفات لا يعلم ثبوتها في الرواة إلّا بملاحظة الرجال لفقد المعاشرة معهم و انتفاء الشهادة اللفظيّة عليها فيهم، فانحصر في الكتبيّة الموجودة في كتب الرجال و إن لم نقل بكونها من باب الشهادة الشرعيّة.
و كون الترجيح بالشهرة و موافقة القرآن و نحوهما ممّا لا مدخل للرجال فيه لا يغني عن الترجيح بما ذكر من الامور المذكورة، و إلّا لما أمر بالجميع كيف و هي أحد أسباب الترجيح.
و سادسها: أنّ سيرة العلماء قديما و حديثا على تدوين كتب الرجال و تنقيحها و تحصيلها بالاشتراء و الاستكتاب، و على مطالعتها و الرجوع إليها في معرفة أحوال الرواة و العمل بها في الاعتداد برجال و الطعن في آخرين و التوقّف في طائفة ثالثة، حتّى أنّ كثيرا منهم كانت له مهارة في هذا العلم كالصدوق و المفيد و الطوسي و غيرهم من مشايخ الحديث، بل ربّما أمكن أن يقال: اهتمام المتقدّمين فيه كان أزيد من المتأخّرين، و أيّ عاقل يرضى بكون ذلك كلّه لغوا مكروها أو حراما؟ فليس إلّا للافتقار إليه.
و سابعها: إنّ سيرة الرواة و المحدّثين إلى زمن تأليف الكتب الأربعة بل إلى تأليف الثلاثة المتأخّرة الوافي و الوسائل و البحار على الالتزام بذكر جميع رجال جميع الأسانيد، حتّى أنّ أحدا لو أسقطهم أو بعضهم في مقام أشار إليهم في مقام آخر- ما في الفقيه و التهذيبين- مع التصريح بأنّه للتحرّز عن لزوم الإرسال و القطع و الرفع المنافية للاعتبار.
[١] المعتبر ١: ٢٩.