الاجتهاد و التقليد (التعليقة على معالم الأصول) - الموسوي القزويني، السيد علي - الصفحة ١٠٢ - الاستدلال بالروايات على مرجعيّة الكتاب و السنّة
..........
بقوله: إنّي سمعت من سلمان و المقداد و أبي ذرّ شيئا من تفسير القرآن و أحاديث عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) غير ما في أيدي الناس، ثمّ سمعت منك تصديق ما سمعت منهم، و رأيت في أيدي الناس أشياء كثيرة في تفسير القرآن و من الأحاديث عن نبيّ اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أنتم تخالفونهم فيها و تزعمون أنّ ذلك كلّه باطلا، أ فترى الناس يكذبون على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) متعمّدين و يفسّرون القرآن بآرائهم؟ قال: فأقبل عليّ (عليه السلام) فقال: قد سألت فافهم الجواب، أنّ في أيدي الناس حقّا و باطلا و صدقا و كذبا و ناسخا و منسوخا و عاما و خاصّا و محكما و متشابها و حفظا و وهما، و قد كذب على رسول اللّه على عهده حتّى قام خطيبا فقال: «أيّها الناس قد كثرت عليّ الكذابة، فمن كذب عليّ متعمّدا فليتبوّأ مقعده من النار» ثمّ كذب عليه من بعده، و إنّما أتاكم الحديث من أربعة ليس لهم خامس:
منافق يظهر الإيمان متصنّع بالإسلام لا يتأثّم و لا يتحرّج أن يكذب على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) متعمّدا، فلو علم الناس أنّه منافق كذّاب لم يقبلوا منه و لم يصدّقوه، و لكنّهم قالوا: هذا قد صحب رسول اللّه، و سمع منه و أخذوا عنه و هم لا يعرفون حاله، إلى آخر ما قاله (عليه السلام)» [١].
و هذا كما ترى- مع دلالته على أنّ قبول الأحاديث المرويّة عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) كان من دأبهم و سيرتهم من غير نكير و لا منع من الإمام (عليه السلام)- يدلّ على أنّ العلم بالكذب أو كون الراوي كذّابا متّسما بالكذب مانع عن القبول لا أنّ العلم بالصدق شرط للقبول، لا بمعنى أنّهم كانوا يقبلون الأحاديث إذا لم يعلموا بكذب رواتها كائنا ما كان و لو مع الشكّ في الصدق و الكذب أو الظنّ بالكذب، بل بمعنى ما أشار إليه (عليه السلام) بقوله (عليه السلام): «لكنّهم قالوا: هذا قد صحب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و سمع منه» إلخ، فإنّ مصاحبة الرسول و سماع الحديث منه لا يصلح سببا للعلم بالصدق و إنّما هو أمارة ظنّ و وثوق بالصدق، فدلّ الرواية على أنّهم كانوا يقبلون الأحاديث اعتمادا على أمارات الظنّ و الوثوق و لم ينكر عليهم الإمام (عليه السلام).
و منها: الأخبار العلاجيّة الآمرة باعتبار الأعدليّة و الأورعيّة و الأصدقيّة و الأفقهيّة، فإنّ هذه الصفات امور يغلب معها الوثوق لا العلم، و مثله الأمر بأخذ الخبر المشهور المجمع عليه و طرح الشاذّ النادر، فإنّ ذلك أيضا ممّا له دخل في الوثوق، بل في المرفوعة من هذه الأخبار أنّه قال: «خذ بأعدلهما عندك و أوثقهما في نفسك» حيث قيّد الأعدل و الأوثق بما قيّد تنبيها على اعتبار وثوق الشخص دون ما يوجب وثوق النوع بأن يكون الوصفان
[١] الكافي ١: ٦٢، ح ١.