الاجتهاد و التقليد (التعليقة على معالم الأصول) - الموسوي القزويني، السيد علي - الصفحة ٦٢٩ - شرح فقرات مقبولة عمر بن حنظلة
..........
لوضوح امتناع انتفاء طبيعة الريب عن كلّ من المتعارضين و إلّا لزم التناقض.
و منها: المرجّحات الّتي ذكرها الإمام (عليه السلام) فيما بعد ذلك، فإنّ كلّ مرجوح في مقابلة راجحه فيه ريب.
فلا بدّ و أن يكون الريب المنفيّ هنا إضافيّا، على معنى أنّ الريب المنفيّ فيه هو شخص الريب الّذي هو موجود في الشاذّ، و معناه: أنّه بالإضافة إلى الشاذّ لا ريب فيه و إن كان فيه ريب آخر مشترك بينه و بين الشاذّ، و مرجعه إلى اختصاص الشاذّ لشذوذه بريب لا يجري في المجمع عليه.
و بعبارة اخرى: أنّ المجمع عليه لكونه مجمعا عليه لا يحتمل فيه ما احتمل في الشاذّ لكونه شاذّا، و إن كانا متشاركين في الاحتمالات الاخر الجارية فيهما من حيث إنّهما خبر العدل الفقيه الصادق الورع، فيستفاد من التعليل المذكور- بعد توجيه الريب المنفيّ بما عرفت- كبرى كلّية و هو: أنّه كلّما دار الأمر بين شيئين لا يجري في أحدهما ما يجري في صاحبه من الريب و الاحتمال وجب فيهما الأخذ بما لا يجري فيه الريب و الاحتمال، و حينئذ يتعدّى إلى المرجّحات الغير المنصوصة أيضا ممّا أمكن اندراجه تحت الكلّية المذكورة، بل يتعدّى إلى ما لو كان فيهما معا ريب و لكن كان الريب الموجود في أحدهما أقلّ أو أضعف منه في الآخر فيتعيّن الأخذ به، لأنّه لا يجري فيه ما يجري في صاحبه من الريب، بل يمكن إجراء هذا العموم في الظنّ بل مطلق الأدلّة الظنّية، نظرا إلى أنّ الموهوم يجري فيه من الريب و الاحتمال ما لا يجري في المظنون- و لو باعتبار ضعف الاحتمال فيه- فيجب اتّباعه، و بذلك يثبت أصل حجّية الظنّ بل الأدلّة الظنّية أيضا.
و ممّا يشهد بالعموم و الكلّية المذكورين استشهاد الإمام (عليه السلام) لما أعطاه من وجوب الأخذ بالمجمع عليه لأنّه لا ريب فيه، و وجوب طرح الشاذّ الّذي فيه الريب بقوله (عليه السلام):
«إنّما الامور ثلاثة: أمر بيّن رشده فيتّبع، أمر بيّن غيّه فيجتنب، و أمر مشكل يردّ إلى اللّه».
و ظاهر أنّ المجمع عليه مندرج في الأمر البيّن رشده، فينتظم بذلك قياس آخر صورته:
«أنّ المجمع عليه أمر بيّن رشده، و كلّ أمر بيّن رشده يجب اتّباعه».
و لا ريب أنّ كون المجمع عليه من الأمر البيّن رشده لا جهة له إلّا ما تقدّم من أنّه لا يجري فيه من الريب ما يجري في الشاذّ، و قضيّة ذلك أن يكون مناط بيّنيّة الأمر أن لا يجري فيه ما يجري في غيره من الريب و الاحتمال، و قرينة المقابلة بينه و بين الأمر البيّن