الاجتهاد و التقليد (التعليقة على معالم الأصول) - الموسوي القزويني، السيد علي - الصفحة ٥٨ - دفع أدلّة الأخباريّين على عدم مشروعيّة الاجتهاد
..........
و هل هذا إلّا نظير ما لو اقيم البرهان على أن لزيد علما بقيام عمرو و هو يجد من نفسه أنّه لا علم له، فإنّ عدم انفتاح باب العلم بالأحكام في الغالب من ضروريّات الوجدان و المدّعي لانفتاحه يكابر وجدانه، و سنورد زيادة بيان في ذلك.
و مع الغضّ عن ذلك نقول: إنّا لا نعقل إلى العلم بالأحكام قاطبة سبيلا إلّا الإمام المعصوم و حضوره مع تمكّنه من التصرّف، و المفروض أنّه غير حاضر، فالدليل المذكور يكذّبه الفرض، و لو سلّم أنّ إلى العلم بها سبيلا آخر غير الإمام و حضوره، لكن الدليل لا يقتضي إلّا انتصاب أحد الأمرين، و المفروض أنّ الإمام قبل الغيبة كان منتصبا فقد تمّ به اللطف، و اختفاؤه بعد ذلك لدواع خارجيّة لا ترجع إلى اللّه سبحانه لا يوجب إخلالا باللطف، و المنع من تحقّق الدواعي الخارجيّة ليس بلازم بمقتضى ما أخذ في اللطف الواجب من عدم انتهائه إلى الإلجاء.
و مع هذا كلّه نقول: إنّ اللطف إنّما يجب مع عدم مصلحة تقتضي خلافه، فلم يثبت وجوبه مطلقا كما في عدم ظهور الإمام (عليه السلام) مع أنّه من أظهر الألطاف الواجبة.
و من الجائز بالقياس إلى الأدلّة العلميّة قيام مصلحة تقتضي عدم فتح بابها، مع أنّه قد يقال: إنّ عدم إلزام المكلّفين بتحصيل اليقين في خصوصيّات التكاليف هو اللطف، لما في إناطة التكليف بخصوص العلم بالأحكام من الجرح التامّ المؤدّي في كثير من الطباع إلى التقاعد عن الامتثال، و لذا اكتفى الشارع في زمانه من المكلّفين بالأخذ بعدّة من الطرق الغير العلميّة مع انفتاح سبيل العلم.
و قد يقال أيضا: بأنّ الظنّ و العلم مشتركان فيما ذكر من كون اليقين ادعى إلى الامتثال، لأنّ المفروض أنّ الظنّ ما لم يكن منتهيا إلى اليقين لم يعتبر عند أحد، فالمكلّف في مقام العمل عالم بالتكليف قاطع به.
و منها: ما عن بعض المحدّثين: من أنّ المتقدّمين من علمائنا لا يقولون بجواز الاجتهاد و التقليد، و لا يجيزون العمل بغير الكتاب و السنّة من وجوه الاستنباط الظنّية.
و من المعلوم أنّ طريقة المتقدّمين هي الموافقة للأئمّة و لأحاديثهم المتواترة، فإن شذّ منهم شاذّ أحيانا أنكر عليه الأئمّة إن كان في حضورهم، و في هذه الطريقة مباينة لطريقة العامّة مباينة كلّية، و طريقة المتأخّرين موافقة لهم لا تخالفهم إلّا نادرا، ثمّ قال:
و بالجملة فعدم جواز الاجتهاد في نفس الأحكام الشرعيّة و عدم جواز العمل بالاستنباطات