الاجتهاد و التقليد (التعليقة على معالم الأصول) - الموسوي القزويني، السيد علي - الصفحة ٥٧ - دفع أدلّة الأخباريّين على عدم مشروعيّة الاجتهاد
..........
أوّلا فمسلّم و لا مانع منه، ضرورة أنّ أبديّة الأحكام لا تقضي بعدم اختلافها بحسب اختلاف الأحوال، كيف و اختلاف صلاة الحاضر و المسافر و الصحيح و المريض و القادر و العاجز من الضروريّات و لا منافاة فيه لأبديّة الأحكام الثابتة بالضرورة أصلا، فكذا الحال في المقام.
و الثالث: أنّه إنّ أراد بكون كلّ حكم اجتهادي قابلا للتغيّر أنّ ما يحكم به المجتهدون من الأحكام قابلا للتغيّر فهو ممنوع بل فاسد، لأنّ ما يدركه من الأحكام غير قابل للتغيّر عمّا هو عليه، فإنّه إن كان ما أدركه مطابقا للواقع لم يكن قابلا للتغيير عمّا هو عليه و إن أدرك بعد ذلك خلافه. غاية الأمر أن يكون معذورا في خطائه فيه ثانيا، و إن كان غير مطابق للواقع فكذلك أيضا، غاية الأمر أن يكون معذورا في خطائه فيه أوّلا.
و إن أراد به أنّ نفس حكمه و إدراكه قابل للتغيّر، بأن يدرك ثانيا خلاف ما أدركه أوّلا فيزول إدراكه الأوّل و يخلفه الثاني فممنوع، و لا يلزم من ذلك أن يكون إدراكه مطلقا منافيا للشريعة الأبديّة كما هو القضيّة الكلّية المدّعاة، إذ قبول الإدراك للتغيّر إنّما يقضي بعدم الملازمة بينه و بين إصابة الواقع، لأنّه لا يكون مصيبا للواقع مطلقا، فأقصى ما يلزم من الدليل المذكور أنّ ظنون المجتهدين قد تصيب الواقع و قد تخطئه، و هذا ممّا اتّفق عليه أصحابنا.
و اتّفقوا مع ذلك على وجوب العمل بظنّه، إذ لا منافاة بين عدم إصابة الظنّ للواقع و وجوب العمل بمؤدّاه، كما هو الحال في سائر الطرق المقرّرة في الشريعة [١].
و منها: أنّ فتح سبيل العلم على المكلّفين في تكليفهم بالعلم بالأحكام من اللطف، فيجب أن يكون حاصلا لوجوب اللطف على اللّه تعالى.
أمّا الصغرى: فلما فيه من تقريب العبد إلى الطاعة و إبعاده عن المعصية ما ليس في الظنّ، لوضوح أنّ اليقين ادعى إلى تحصيل الامتثال من الظنّ.
و أمّا الكبرى: فظاهرة [٢].
و هذا الدليل كما ترى غير مفهوم المراد، فإنّ الامور المدركة بالوجدان لا بدّ و أن تدرك بالوجدان فلا ينفع في ثبوتها البرهان إذا لم يساعد عليها الوجدان، فكيف إذا أكذبها الوجدان،
[١] هداية المسترشدين ٣: ٦٩٢- ٦٩٥.
[٢] هداية المسترشدين ٣: ٦٩٢- ٦٩٥.