الاجتهاد و التقليد (التعليقة على معالم الأصول) - الموسوي القزويني، السيد علي - الصفحة ٣٦٦ - مشروعيّة التقليد
..........
قلنا: الفائدة في ذلك أن يصير له بفتياه و فتيا غيره من علماء الإماميّة سبيل إلى العلم بإجماعهم فيعمل بالحكم على يقين، يبيّن صحّة ذلك أنّهم أجمعوا على أنّه لا يجوز الاستفتاء إلّا من إمامي المذهب و إنّما حظّروا استفتاء مخالفه خوفا أن يفتيه بخلاف الحقّ، فلو كان إيجابهم للاستفتاء من الإمامي لتقليده لم يكن فرق بينه و بين مخالفه الّذي لا يؤمن أن يكون فتياه بغير الحقّ لارتفاع عصمته، و لأنّ مخالفه يجوز أن يفتيه بمطابقة الحقّ و موافقته، فيثبت أنّهم إنّما أمروا برجوع المستفتي إلى فقهاء الإماميّة ليحصل لهم العلم بإجماعهم على الحكم فيقطع على صحّته» انتهى.
و نسبه في محكيّ المقاصد العليّة إلى كثير من القدماء و فقهاء حلب كأبي الصلاح و ابن حمزة، و قرّر في محكيّ الذكرى مذهب فقهاء حلب: «بأنّهم أوجبوا على العوامّ الاستدلال و اكتفوا فيه بمعرفة الإجماع الحاصل من مناقشة العلماء عند الحاجة إلى الوقائع و النصوص الظاهرة، و إنّ الأصل في المنافع الإباحة و في المضارّ الحرمة عند فقد نصّ قاطع في متنه و دلالته و النصوص محصورة».
و من الفضلاء من قرّر مذهبهم: «بأنّهم أوجبوا على العامي الرجوع إلى عارف عدل يذكر له مدرك الحكم من الكتاب و السنّة، فإن ساعد لغته على معرفة مدلولهما و إلّا ترجم له معانيهما بالمرادف من لغته، و إذا كانت الأدلّة متعارضة ذكر له المتعارضين و نبّهه على طريق الجمع بحمل المنسوخ على الناسخ و العامّ على الخاصّ و المطلق على المقيّد، و مع تعذّر الجمع يذكر له أخبار العلاج على حذو ما مرّ، و لو احتاج إلى معرفة حال الراوي ذكر له حاله» [١].
و كيف كان فلا ينبغي التأمّل في سخافة هذا القول و شذوذ قائله مع عدم وضوح حجّته سوى ما أشار إليه ابن زهرة في عبارته المتقدّمة من قبح التقليد و إجماع الطائفة على عدم جواز العمل بغير العلم.
و يزيّفه: أنّ قبح التقليد إن اريد به القبح العقلي على معنى استقلال العقل بإدراك قبحه.
ففيه: أنّ التقليد في حكم العقل من الامور الّتي تقبح تارة و تحسن اخرى و إنّما يختلف بحسب اختلاف الوجوه و الاعتبارات، فإنّما يقبح ممّن أقام عليه في إطاعة اللّه و امتثال أحكامه مع الشكّ في مشروعيّته، لرجوعه بالأخرة إلى الإقامة على الشكّ و هو قبيح عقلا على ما قرّرناه في غير موضع، و القائل بمشروعيّته إنّما يقول بها عن علم لا عن شكّ فيكون حسنا في حكم العقل.
[١] الفصول الغرويّة: ٤١١.