دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ٩٦ - ذكر سبب إسلام سلمان الفارسي، رضي اللّه عنه
(١) صاحبي. و بعث اللّه رسوله، (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، بمكة لا يذكر لي شيئا من أمره [٥٩] مع ما أنا فيه من الرّق حتى قدم رسول اللّه، (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، قباء، و أنا أعمل لصاحبي في نخلة له. فو اللّه إني لفيها إذ جاء ابن عمّ له، فقال: يا فلان [٦٠] قاتل اللّه بني قيلة [٦١]، و اللّه إنهم الآن لفي قباء مجتمعون على رجل جاء من مكة، يزعمون أنه نبي، فو اللّه ما هو إلّا أن سمعتها، فأخذتني «العرواء» [٦٢]- يقول «الرّعدة»- حتى ظننت لأسقطن على صاحبي. و نزلت أقول: ما هذا الخبر؟ ما هو؟ فرفع مولاي يده، فلكمني لكمة شديدة، و قال: ما لك و لهذا؟ أقبل قبل [٦٣] عملك. فقلت: لا شيء، إنما سمعت خبرا فأحببت أن أعلمه.
فلمّا أمسيت، و كان عندي شيء من طعام، فحلمته و ذهبت به إلى رسول اللّه، (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و هو بقباء، فقلت: إنه قد بلغني أنك رجل صالح، و أن معك أصحابا لك غرباء، و قد كان عندي شيء للصدقة، فرأيتكم أحقّ من بهذه البلاد [به] [٦٤] فها هو ذا فكل منه. فأمسك رسول اللّه، (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، بيده، و قال: لأصحابه: كلوا، و لم يأكل. فقلت في نفسي هذه خلّة مما وصف لي صاحبي.
ثم رجعت، و تحوّل رسول اللّه، (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، إلى المدينة فجمعت شيئا كان عندي ثم جئته به، فقلت: إن قد رأيتك لا تأكل الصدقة، و هذه هدية و كرامة ليست بالصدقة. فأكل رسول اللّه، (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و أكل أصحابه. فقلت: هذه خلّتان.
ثم جئت رسول اللّه، (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و هو يتبع جنازة و علي شملتان [٦٥] لي، و هو في
[٥٩] في سيرة ابن هشام: «لا اسمع له بذكر».
[٦٠] في (م): «فلان» بدون ياء المخاطبة.
[٦١] (بنو قيلة): هي أم الأوس و الخزرج.
[٦٢] (العرواء): الرعدة من البرد و الانتفاض.
[٦٣] في (ه): «أقبل على عملك».
[٦٤] الزيادة من (ه).
[٦٥] (الشملة) الكساء الغليظ يشتمل به الإنسان، أي يلتحف به.