دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ٨٧ - ذكر سبب إسلام سلمان الفارسي، رضي اللّه عنه
(١) فليأخذ. فجعل الرجل يقوم فيأخذ الجرّة من الماء و الطعام و الشيء، فقام إليه أصحابي الذين جئت معهم فسلّموا عليه و عظّموه، فقال لهم: الزموا هذا الدين، و إياكم أن تفرّقوا، و استوصوا بهذا الغلام خيرا. فقال لي: يا غلام، هذا دين اللّه الذي تسمعني أقوله، و ما سواه هو الكفر. قال: قلت: ما أفارقك. قال: إنّك لا تستطيع أن تكون معي، إني لا أخرج من كهفي هذا إلا كلّ يوم أحد و لا تقدر على الكينونة معي. قال: و أقبل عليّ أصحابه، فقالوا:
يا غلام، إنَ لا تستطيع أن تكون معه. قلت: ما أنا بمفارقك. قال: يا غلام، فإني أعلمك الآن أنّي أدخل هذا الكهف، و لا أخرج منه إلا [٢٥] الأحد الآخر، فأنت أعلم، قلت: ما أنا بمفارقك، قال له أصحابه: يا أبا فلان، هذا غلام و يخاف عليه [٢٦] قال: قال لي: أنت أعلم، قلت: إنّي لا أفارقك.
فبكى أصحابي الأوّلون الذين كنت معهم عند فراقهم إيّاي، فقال: خذ من هذا الطعام ما ترى أنه يكفيك إلى الأحد الآخر، و خذ من هذا الماء ما تكتفي به.
ففعلت و تفرقوا، و ذهب كل انسان الى مكانه الذي يكون فيه، و تبعته حتى دخل الكهف في الجبل، و قال: ضع ما معك و كل و اشرب. و قام يصلّي، فقمت خلفه أصلي، قال: فانفتل إليّ و قال [٢٧]: إنّك لا تستطيع هذا، و لكن صلّ و نم و كل و اشرب. ففعلت فما رأيته نائما و لا طاعما، إلّا راكعا و ساجدا إلى الأحد الآخر. فلما أصبحنا قال: خذ جرّتك هذه و انطلق. فخرجت معه أتّبعه حتى انتهينا إلى الصخرة، و إذا هم قد خرجوا من تلك الجبال، و اجتمعوا إلى الصخرة ينتظرون خروجه، فقعدوا و عاد في حديثه نحو المرة الأولى، فقال:
الزموا هذا الدين و لا تفرّقوا، و اتقوا اللّه، و اعلموا أنّ عيسى بن مريم كان عبدا
[٢٥] في (م): «إلى الأحد».
[٢٦] في (م): «و نخاف عليه».
[٢٧] في (م): «فقال».