دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ٥٧٧
(١) أسامة بن زيد وراءه يعود سعد بن عبادة في بني الحارث بن الخزرج قبل وقعة بدر [٥]، حتى مر بمجلس فيه عبد اللَّه بن أبيّ بن سلول، و ذلك قبل أن يسلم عبد اللَّه بن أبيّ، فإذا في المجلس أخلاط من المسلمين، و من المشركين عبدة الأوثان، و اليهود، و في المسلمين عبد اللَّه بن رواحة، فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة [٦]، خمّر [٧] ابن أبيّ أنفه بردائه، ثم قال: لا تغبّروا علينا.
فسلم رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، ثم وقف فنزل فدعاهم إلى اللَّه عز و جل، و قرأ عليهم القرآن، فقال عبد اللَّه بن أبيّ بن سلول: أيها المرء إنه لا أحسن مما تقول إن كان حقا، فلا تؤذنا [٨] به في مجالسنا ارجع إلى رحلك فمن جاءك فاقصص عليه.
فقال عبد اللَّه بن رواحة: بلى يا رسول اللَّه، فاغشنا به في مجالسنا، فإنا نحب ذلك، و استبّ المسلمون و المشركون و اليهود، حتى كادوا يتثاورون [٩]، فلم يزل رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يخفضهم حتى سكتوا، ثم ركب رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) دابته حتى دخل على سعد بن عبادة، فقال له رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «أيا سعد ألم تسمع ما قال أبو حباب يريد عبد اللَّه بن أبيّ؟» قال: كذا و كذا، قال سعد بن عبادة: يا رسول اللَّه اعف عنه و اصفح، فو الذي أنزل عليك الكتاب لقد جاء اللَّه بالحق الذي أنزل عليك، و لقد اصطلح أهل هذه البحيرة [١٠] على أن يتوّجوه فيعصبوه بالعصابة فلما رد اللَّه بالحق الذي أعطاك شرق [١١] بذلك فذلك الذي فعل به ما
[٥] في مسلم: «و ذاك قبل وقعة بدر».
[٦] (عجاجة الدابة): ما ارتفع من غبار حوافرها.
[٧] (خمّر انفه): «غطاه».
[٨] (ص) و (ه): «تؤذينا».
[٩] مسلم: «يتواثبوا».
[١٠] القرية و يريد هنا مدينة النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).
[١١] (شرق بذلك) أي: غصّى حسدا للنبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).