دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ٤٤٩ - باب ذكر العقبة الثانية
(١) فقال العباس بن عبادة بن نضلة أخو بني سالم: يا رسول اللّه! و الذي بعثك بالحق إن شئت لنميلنّ غدا على أهل منّى بأسيافنا، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «إنا لم نؤمر بذلك، ارفضّوا إلى رحالكم»، فرجعنا إلى رحالنا فاضطجعنا على فرشنا.
فلما أصبحنا أقبلت جلّة من قريش فيهم: الحارث بن هشام فتى شاب و عليه نعلان جديدان، حتى جاءونا في رحالنا، فقالوا: يا معشر الخزرج! إنه قد بلغنا أنكم جئتم إلى صاحبنا لتستخرجوه من بين أظهرنا، و إنه و اللّه ما من العرب أحد أبغض إلينا أن ينشب الحرب فيما بيننا و بينهم منكم، فانبعث من هناك من قومنا من المشركين يحلفون لهم باللّه ما كان من هذا شيء و ما فعلناه، و أنا انظر إلى أبي جابر بن عبد اللّه بن عمرو بن حرام، و هو صامت، و أنا صامت، فلما تثوّر القوم لينطلقوا، قلت كلمة كأني أشركهم في الكلام: يا أبا جابر أنت سيد من سادتنا و كهل من كهولنا لا تستطيع أن تتخذ مثل نعلي هذا الفتى من قريش؟ فسمعه الفتى فخلع نعليه فرمى بهما إليّ، و قال: و اللّه لتلبسنهما، فقال أبو جابر: مهلا أحفظت لعمر اللّه الرجل، يقول أخجلته:
اردد عليه نعليه، فقلت: و اللّه لا أردهما، فأل صالح: و اللّه إني لأرجو أن أسلبنّه [٢٥].
قال ابن إسحاق: حدثني عبد اللّه بن أبي بكر بن حزم، قال: ثم انصرفوا عنهم و أتوا عبد اللّه بن أبي، فسألوه، و كلموه، فقال: إن هذا الأمر جسيم، و ما كان قومي لتفوّتوا عليّ بمثله، فانصرفوا عنه» [٢٦].
و أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد المقري، قال: أخبرنا الحسن بن محمد
[٢٥] سيرة ابن هشام (٢: ٥٧).
[٢٦] السيرة لابن هشام (٢: ٥٧).