دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ٤٤٦ - باب ذكر العقبة الثانية
(١) ثم قد واعدنا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) العقبة أوسط أيام التشريق، و نحن سبعون رجلا للبيعة، و معنا عبد اللّه بن عمرو بن حرام أبو جابر، و إنه لعلى شركه، فأخذناه فقلنا يا أبا جابر: و اللّه إنا لنرغب بك أن تموت على ما أنت عليه فتكون لهذه النار غدا حطبا، و إن اللّه قد بعث رسولا يأمر بتوحيده و عبادته، و قد أسلم رجال من قومك، و قد واعدنا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) للبيعة، فأسلم و طهّر ثيابه و حضرها معنا، فكان نقيبا.
فلما كانت الليلة التي واعدنا فيها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بمنى أول الليل مع قومنا فلما استثقل الناس في النوم تسللنا من قريش تسلّل القطا، حتى إذا اجتمعنا بالعقبة، فأتانا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و عمه العباس [١٠] ليس معه غيره، أحب أن يحضر أمر ابن أخيه، فكان أول متكلم، فقال:
«يا معشر الخزرج- و إنما كانت العرب تسمي هذا الحي من الأنصار- أوسها و خزرجها-: إن محمدا منا حيث قد علمتم، و هو في منعة [١١] من قومه و بلاده قد منعناه ممن هو على مثل رأينا فيه، و قد أبى إلا الانقطاع إليكم و إلى ما دعوتموه إليه، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه فأنتم و ما تحملتم، و إن كنتم تخشون من أنفسكم خذلانا فاتركوه في قومه فإنه في منعة من عشيرته و قومه [١٢].
فقلنا قد سمعنا ما قلت، تكلم يا رسول اللّه [١٣]، فتكلم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و دعا إلى اللّه عز و جل، و تلا القرآن، و رغّب في الإسلام، فأجبناه بالإيمان به
[١٠] في السيرة: «و هو يومئذ على دين قومه».
[١١] ابن هشام: «و قد منعناه من قومنا».
[١٢] ابن هشام: «فإنه في عز و منعة من قومه و بلده».
[١٣] ابن هشام: «فخذ لنفسك و لربك ما أحببت».