دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ٢٩٠ - باب الهجرة الأولى الى الحبشة ثم الثانية و ما ظهر فيها من الآيات و تصديق النجاشي و من تبعه من القسس
(١)
[ ()] إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَ ما تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَ لَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى.
و هذا السياق صريح في أن اللّات و العزّى أسماء سمّاها المشركون هم و آباؤهم ما أنزل اللّه بها من سلطان. فكيف يحتمل ان يجري السياق بما يأتي: «أ فرأيتم اللّات و العزى. و مناة الثالثة الأخرى. تلك الغرانيق العلا. إن شفاعتهنّ ترتجى. أ لكم الذكر و له الأنثى. تلك إذا قسمة ضيزى. إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم و آباؤكم ما أنزل اللّه بها من سلطان» إن في هذا السياق من الفساد و الاضطراب و التناقض، و من مدح اللّات و العزّى و مناة الثالثة الأخرى و ذمها في أربع آيات متعاقبة، ما لا يسلّم به عقل و لا يقول به إنسان، و لا تبقى معه شبهة في أن حديث الغرانيق مفترى وضعه الزنادقة لغاياتهم، و صدّقه من يسيغون كل غريب و من تقبل عقولهم ما لا يسيغ العقل المنطقي.
و حجة اخرى ساقها المغفور له الأستاذ محمد عبده حين كتب يفندّ قصة الغرانيق. تلك أن وصف العرب لآلهتهم بأنها الغرانيق لم يرد في نظمهم و لا في خطبهم، و لم ينقل عن أحد أن ذلك الوصف كان جاريا على ألسنتهم، و إنما ورد الغرنوق و الغرنيق على أنه اسم لطائر مائي أسود او أبيض، و الشابّ الأبيض الجميل. و لا شيء من ذلك يلائم معنى الآلهة، أو وصفها عند العرب.
بقيت حجة قاطعة، نسوقها للدلالة على استحالة قصة الغرانيق هذه من حياة محمد نفسه، فهو منذ طفولته و صباه و شبابه لم يجرب عليه الكذب قط حتى سمى الأمين و لمّا يبلغ الخامسة و العشرين من عمره. و كان صدقه أمرا مسلما به عند الناس جميعا، حتى لقد سأل قريشا يوما بعد بعثه: «أرأيتم لو أخبرتكم ان خيلا بسفح هذا الجبل أ كنتم تصدّقوني؟» فكان جوابهم: «نعم! أنت عندنا غير متّهم و ما جرّبنا عليك كذبا قط». فالرجل الذي عرف بالصدق في صلاته بالناس منذ نعومة أظفاره إلى كهولته كيف يصدّق إنسان أنه يقول على ربّه ما لم يقل، و يخشى الناس و اللّه أحق ان يخشاه! هذا امر مستحيل، يدرك استحالته الذين درسوا هذه النفوس القويّة الممتازة التي تعرف الصلابة في الحق و لا تداجى فيه لأي اعتبار. و كيف ترى يقول محمد: لو وضعت قريش الشمس في يمينه و القمر في شماله على أن يترك هذا الأمر او يموت دونه ما فعل، ثم يقول على اللّه ما لم يوح إليه، و يقوله لينقض به أساس الدّين الذي بعثه اللّه به هدّى و بشرى للعالمين! و متى رجع إلى قريش يمدح آلهتهم؟ بعد عشر سنوات أو نحوها من بعثه. و بعد ان احتمل هو و أصحابه في سبيل الرسالة من ألوان الأذى و صنوف التضحية ما احتمل، و بعد ان أعزّ اللّه الإسلام بحمزة و عمر، و بعد ان بدأ المسلمون يصبحون قوّة بمكة، و يمتدّ خبرهم إلى بلاد العرب كلها و إلى الحبشة و إلى مختلف نواحي العالم. إن القول بذلك حديث خرافة و أكذوبة ممجوجة. و لقد شعر الذين اخترعوها بسهولة افتضاحها، فأرادوا سترها بقولهم: إن محمدا ما كاد يسمع كلام قريش إذ جعل لآلهتهم نصيبا في الشفاعة حتى كبر ذلك عليه، و حتى رجع إلى اللّه تائبا أوّل ما أمسى