دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ٢٨٨ - باب الهجرة الأولى الى الحبشة ثم الثانية و ما ظهر فيها من الآيات و تصديق النجاشي و من تبعه من القسس
(١)
[ ()] «فينسخ اللّه ما يلقي الشيطان ثم يحكم اللّه آياته» و لو كان المراد غير ما ذكرناه من التلاوة لم يصح ذلك.
أما ما يرويه الحشوية من أنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ذكر في قراءته أصنامهم، و قال: «إن الغرانيق العلى شفاعتهن ترتجى» حتى فرح الكفار فلا أصل له، و مثل ذلك لا يكون إلا من دسائس الملحدة».
و حديث الغرانيق هذا متهافت من عدة وجوه و أحسن ما جاء في ردها ما كتبه الأستاذ الكبير:
محمد حسين هيكل في كتاب «حياة محمد» (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ص (١٧٧- ١٨٢) و كنت أريد كتابة فحواها إلا اني رأيت ان اضيفها هنا لاهميتها:
هذه الحجج التي يسوقها من يقولون بصحة حديث الغرانيق، هي حجج واهية لا تقوم امام التمحيص، و نبدأ بدفع حجة المستشرق موير، فالمسلمون الذين عادوا من الحبشة إنما دفعهم الى العود الى مكة سببان: أولهما ان عمر بن الخطاب اسلم بعد هجرتهم بقليل. و قد دخل عمر في دين اللّه بالحميّة التي كان يحاربه من قبل بها، لم يخف إسلامه و لم يستتر، بل ذهب يعلنه على رؤوس الملأ و يقاتلهم في سبيله. و لم يرض عن استخفاء المسلمين و تسللهم إلى شعاب مكة يقيمون الصلاة بعيدين عن أذى قريش، بل دأب على نضال قريش حتى صلى عند الكعبة و صلى المسلمون معه. هنالك أيقنت قريش ان ما تنال به محمدا و أصحابه من الأذى يوشك ان يثير حربا اهلية لا يعرف احد مداها و لا على من تدور دائرتها. فقد اسلم من قبائل قريش و بيوتاتها رجال تثور لقتل أيّ واحد منهم قبيلته و إن كانت على غير دينه. فلا مفرّ إذا من الالتجاء في محاربة محمد إلى وسيلة لا يترتب عليها هذا الخطر. و إلى ان تتفق قريش على هذه الوسيلة. هادنت المسلمين فلم تنل أحدا منهم بأذى و هذا هو ما اتصل بالمهاجرين الى الحبشة، و دعاهم الى التفكير في العود إلى مكة.
و ربما تردّدوا في هذا العود لو لم يكن السبب الثاني الذي ثبّت عزمهم، ذلك ان الحبشة شبّت بها يومئذ ثورة على النجاشي، كان دينه و كان ما أبدى من عطف على المسلمين بعض ما أذيع فيها من تهم وجهت اليه. و لقد أبدى المسلمون احسن الأماني ان ينصر اللّه النجاشي على خصومه، لكنهم لم يكونوا ليشاركوا في هذه الثورة و هم أجانب، و لم يك قد مضى على مقامهم بالحبشة غير زمن قليل. أما و قد ترامت إليهم أنباء الهدنة بين محمد و قريش، هدنة أنجت المسلمين مما كان يصيبهم من الأذى، فخير لهم أن يدعوا الفتنة وراء ظهورهم و ان يلحقوا بأهليهم، و هذا ما فعلوه كلهم او بعضهم. على أنهم ما كادوا يبلغون مكة حتى كانت قريش قد ائتمرت ما تصنع بمحمد و أصحابه، و اتّفقت عشائرها و كتبوا كتابا تعاقدوا فيه على مقاطعة بني هاشم مقاطعة تامة، فلا ينكحوا إليهم و لا ينكحوهم، و لا يبيعوهم و لا يبتاعوا منهم، و بهذا الكتاب عادت الحرب العوان