دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ٢٨٩ - باب الهجرة الأولى الى الحبشة ثم الثانية و ما ظهر فيها من الآيات و تصديق النجاشي و من تبعه من القسس
(١)
[ ()] بين الفريقين، و رجع الذين عادوا من الحبشة، و ذهب معهم من استطاع اللحاق بهم. و قد وجدوا هذه المزة عنتا من قريش إذ حاولت ان تمنعهم من الهجرة.
ليس الصلح الذي يشير إليه المستشرق موير، هو إذا الذي دعا المسلمين إلى العودة من بلاد الحبشة، إنما دعاهم هذه الهدنة التي حدثت على إثر إسلام عمر و حماسته في تأييد دين اللّه.
فتأييد حديث الغرانيق إذا بحجة الصلح تأييد غير ناهض.
أمّا احتجاج المحتجين من كتاب السيرة و المفسرين بالآيات: وَ إِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ و وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَ لا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ ... فهو احتجاج أشدّ تهافتا من حجة السير موير و يكفي أن نذكر من الآيات الأولى قوله تعالى: وَ لَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا لنرى أنه إن كان الشيطان قد ألقى في أمنية الرسول حتى لقد كان يركن إليهم شيئا قليلا فقد ثبّته اللّه فلم يفعل، و لو أنه فعل لأذاقه اللّه ضعف الحياة و ضعف الممات. و إذا فالاحتجاج بهذه الآيات احتجاج مقلوب. فقصة الغرانيق تجري بأن محمدا ركن الى قريش بالفعل. و ان قريشا فتنته بالفعل فقال على اللّه ما لم يقل. و الآيات هنا تفيد أن اللّه ثبّته فلم يفعل. فإذا ذكرت كذلك أن كتب التفسير و اسباب النزول جعلت لهذه الآيات موضعا غير مسألة الغرانيق، رأيت ان الاحتجاج بها في مسألة تتنافى في عصمة الرسل في تبليغ رسالاتهم، و تتنافى مع تاريخ محمد كله، احتجاج متهافت، بل احتجاج سقيم.
أما الآيات وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ ... فلا صلة لها بحديث الغرانيق البتة، فضلا عن ذكرها ان اللّه ينسخ ما يلقي الشيطان و يجعله فتنة للذين في قلوبهم مرض و القاسية قلوبهم، و يحكم اللّه آياته و اللّه عليم حكيم.
و ندع هذا إلى تمحيص القصة التمحيص العلمي الذي يثبت عدم صحتها. و أول ما يدل على ذلك تعدّد الروايات فيها، فقد رويت، كما سبق القول. على انها: تلك الغرانيق العلا و إن شفاعتهن لترتجى. و رواها بعضهم: «الغرانقة العلا إن شفاعتهم ترتجى». و روى آخرون: «إن شفاعتهم ترتجى» دون ذكر الغرانقة او الغرانيق. و في رواية رابعة: «و إنها لهي الغرانيق العلا» و في رواية خامسة: «و إنهن لهن الغرانيق العلا. و إن شفاعتهم لهي التي ترتجى» و قد وردت في بعض كتب الحديث روايات اخرى غير هذه الروايات الخمس. و هذا التعدّد في الروايات يدلّ على أن الحديث موضوع، و انه من وضع الزنادقة. كما قال ابن إسحاق، و ان الغرض منه التشكيك في صدق تبليغ محمد رسالات ربه.
و دليل آخر أقوى و اقطع، ذلك سياق سورة النجم و عدم احتماله لمسألة الغرانيق. فالسياق يجري بقوله تعالى: لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى أَ فَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَ الْعُزَّى وَ مَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى، أَ لَكُمُ الذَّكَرُ وَ لَهُ الْأُنْثى تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى. إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَ آباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ.