دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ٢٨٧ - باب الهجرة الأولى الى الحبشة ثم الثانية و ما ظهر فيها من الآيات و تصديق النجاشي و من تبعه من القسس
(١) المسلمون فعجبوا لسجود المشركين معهم على غير إيمان و لا يقين، و لم يكن المسلمون سمعوا الذي ألقى الشيطان على ألسنة المشركين، و أما المشركون فاطمأنت أنفسهم إلى النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و أصحابه لما ألقى في أمنية النبي [١٢] (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و حدثهم الشيطان أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قد قرأها في السجدة، فسجدوا لتعظيم آلهتهم، و فشت تلك الكلمة في الناس و أظهرها الشيطان حتى بلغت أرض الحبشة، و مر بها من المسلمين عثمان بن مظعون و أصحابه، و حدّثوا أن أهل مكة قد أسلموا كلهم و صلوا مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و بلغهم سجود الوليد بن المغيرة على التراب على كفيه، و حدثوا أن المسلمين قد آمنوا بمكة، فأقبلوا سراعا و قد نسخ اللّه عز و جل ما ألقى الشيطان و أحكم اللّه آياته و حفظها من الباطل فقال اللّه عز و جل: وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَ لا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ، فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ، ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ وَ اللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ، لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَ الْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ [١٣].
[١٢] في (ص) و (ه): «رسول اللّه».
[١٣] سورة الحج آيتا (٥٢- ٥٣)، و قصة الغرانيق هذه لها طرق كثيرة، ثلاثة أسانيد منها على شرط الصحيح، و هي مراسيل يحتج بها من يحتج بالمرسل، و كذا من لا يحتج به لاعتقاد بعضها بعضا.
روى (الأول): الطبري، و ابن المنذر، و ابن ابي حاتم، و المقدسي في صحيحه كلهم عن سعيد ابن جبير، عن ابن عباس- (و الثاني): رواه ابن جرير عن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام.
(الثالث: رواه ابن جرير عن أبي العالية.
قال السهيلي: «و اهل الحديث يدفعون هذا الحديث بالحجة» ثم أضاف: «و الحديث غير مقطوع بصحته».
و قال القاضي عبد الجبار في «تنزيه القرآن عن المطاعن» ص (٢٤٣): «فإن قيل: فما المراد بقوله: إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته» و كيف يصح ذلك على الأنبياء؟.
و جوابنا ان المراد: إذا تلى يلحقه السهو في قراءته و ذلك معروف في اللغة، فلذلك قال بعده: