دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ٢٧ - باب ما جاء في خروج النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، مع أبي طالب حين أراد الخروج إلى الشام تاجرا، و رؤية بحيرى
(١) و كان أبو طالب هو الذي [يلي] [١٢] أمر رسول اللّه، (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، بعد جدّه، كان إليه و معه. ثم إن أبا طالب خرج في ركب إلى الشام تاجرا، فلما تهيأ للرحيل و أجمع السير ضبّ به [١٣] رسول اللّه، (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فأخذ بزمام ناقته، و قال: يا عم، إلى من تكلني؟ لا أب لي و لا أم لي؟! فرقّ له أبو طالب، و قال: و اللّه لأخرجن به معي، و لا يفارقني و لا أفارقه أبدا،
أو كما قال:
قال: فخرج به معه، فلما نزل الركب بصرى من أرض الشام، و بها راهب يقال له: بحيراء في صومعة له، و كان أعلم أهل النصرانية و لم يزل في تلك الصومعة قط راهب يصير علمهم عن كتاب فيه، فيما يزعمون، يتوارثونه كابرا عن كابر. فلما نزلوا ذلك العام ببحيراء، و كانوا كثيرا مما يمرّون به قبل ذلك لا يكلمهم و لا يعرض لهم، حتى إذا كان ذلك العام، نزلوا به قريبا من صومعته، فصنع لهم طعاما كثيرا، و ذلك فيما يزعمون عن شيء رآه و هو في صومعته في الركب حين أقبلوا، و غمامة بيضاء تظلّه من بين القوم. ثم أقبلوا حتى نزلوا بظل شجرة قريبا منه، فنظر إلى الغمامة حتى أظلت الشجرة و شمرت [١٤] أغصان الشجرة على رسول اللّه، (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، حتى استظل تحتها. فلما رأى ذلك بحيراء، نزل من صومعته، و قد أمر بذلك الطعام فصنع، ثم أرسل إليهم فقال: إني قد صنعت لكم طعاما يا معشر قريش، و أنا أحبّ أن تحضروا كلكم، صغيركم و كبيركم، و حرّكم و عبدكم. فقال له رجل منهم [١٥] يا بحيراء، إن لك اليوم لشأنا ما كنت تصنع هذا فيما مضى و قد كنا نمرّ بك كثيرا فما شأنك اليوم؟ [١٦] فقال له بحيراء.
[١٢] «يلي» سقطت من (م)، و في (ح): «ولي».
[١٣] ضب به: تعلق و تشبث، و رويت: صبّ به: أي مال اليه ورقّ عليه، و يروى: و ضبث به: أي امسك.
[١٤] في (ه): «تهصّرت».
[١٥] في (ح): «فقال له الرجل منهم».
[١٦] كذا في (م)، و في (ه): «فما شأنك؟».