شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٤٠ - الشرح
«سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَ فِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ»،[١] هذا منهج قوم و قال: «أَ وَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ»،[٢] هذا منهج قوم اخر و هم الصديقون الذين يستشهدون من ذاته على حقيقة ذاته و من حقيقة ذاته على احدية ذاته كما قال تعالى: «شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ»،[٣] و من احدية ذاته على سائر صفاته و من معرفة صفاته على كيفية افعاله الاوائل و الثواني واحدا بعد واحد على ترتيب الاشرف فالاشرف الى ان ينتهي الى الجسمانيات و المتحركات.
و لا شك ان هذا المنهج احكم و اوثق و اشرف و اعلى، الّا انه غامض دقيق لا يعرفه الّا المقربون الراسخون في العلم، و لهذا عدل ٧ عنه الى المنهج الاخر في جواب هذا السائل، و فيه أيضا طرق عديدة بعضها للطبيعيين و هي طريقة الحركة و انها تنتهي الى محرك غير متحرك، و بعضها للمتكلمين و هي من جهة الحدوث او من جهة الامكان بشرط الحدوث، و بعضها لاصحاب فيثاغورس و الرياضيّين من جهة العدد و اثبات اوّل الآحاد، و للناس فيما يعشقون مذاهب.
و هذا الذي ذكره اشرف منها و احكم و هو الاستدلال من الفعل على الفاعل و من البناء على الباني فقال: وجود الافاعيل دلت على ان صانعا صنعها، و انما قلنا انه اشرف و احكم لانه يرجع الى البرهان اللّمى، لان كون الشيء على صفة قد يكون معلولا لما ذاته علة له، الا ترى ان البناء من حيث هو بناء لا يعرف الا بالبناء، و الكاتب من حيث هو كاتب يدخل في حده الكتابة؟ و ما يدخل في حد الشيء يكون سببا له و برهانا عليه لمّيا.
فذاته تعالى و ان لم يكن من حيث ذاته برهان عليه، اذ لا جنس له و لا فصل له و ما لا جنس له و لا فصل له لا حد له و ما لا حد له لا برهان عليه، الّا انه من حيث صفاته و كونه مصدرا لا فعاله مما يقام عليه البرهان كقولنا: العالم مصنوع مبنى، و كل مصنوع مبنيّ يقتضي ان يكون له صانعا بانيا، فالعالم له صانع بان، و اذا ثبت ان للعالم صانعا ثبت وجوده في نفسه ضرورة، اذ ثبوت الشيء على صفة في الواقع لا ينفك عن ثبوته في نفسه و إليه الاشارة بقوله: انك اذا نظرت الى بناء مشيّد مبني علمت ان له بانيا و ان كنت لم تر الباني و لم تشاهده.
[١]- فصلت ٥٣.
[٢]- فصلت ٥٣.
[٣]- آل عمران ١٨.