محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٧٠ - الخطبة الثانية
وتفتعل ما تفتعل من أوضاع لتبرير استخدام القوّة والأخذ بأسلوب العنف؛ فغياب الحجة يستدعي حضور القوّة إلَّا أن يكون البديل الصحيح عن الحجّة الكاذبة الواهية، والقوّة الغاشمة الباطشة وهو الاعتراف بالحق، والخضوع له، والاستجابة لما يترتب عليه ٣٣.
وهذا ما يصعب كل الصعوبة على الحكومات من أهل الدُّنيا.
فالنتيجة تكون هي اللجأ إلى استعمال البطش، والأخذ بالتنكيل، واختلاق الأحداث، وافتعال المناسبات التي تُعطي تبريرًا ظاهريًّا وإعلاميًّا لهذه السياسة.
وعند شعور المؤسسة السياسية العابدة للسلطة أو قسم منها بالفشل في المعركة السياسيّة، واليأس من تحقيق أي نصر فيها بحقّ أو باطل يكون الاتجاه إلى الإفراط في استخدام القوّة، والتهور في أسلوب العنف بدل الاعتراف بالهزيمة أو الرجوع إلى الحقّ تمسُّكًا بما قد يُريها وهمُها إيّاه من أنّها إنما خُلِقَت لتحكم وتتسلَّط وتتحكّم في مصائر الآخرين، وأنه لا تصح مشاركة أحد لها في هذا الحق. وهذا الشعور الواهم الشاذّ يزيد في محنة الشعوب لأنّه يفتح الباب على مصراعيه لاستباحة الدم والشهية في المبالغة في التنكيل ٣٤.
وبهذا تجد الشعوب نفسها مضطرة تحت ضغط الظروف التي يخلقها لها هذا التوجُّه النفسيّ المغالي المفرط عند السلطات لمواجهته ولو كلّفها ذلك الكثير، وأعطت أبهظ الأثمان من أجل خروجها من تحت الضغط وآثاره المرهقة، ومن أجل أن تحيا الحياة اللائقة بإنسانية الإنسان.
والشعوب التي تكتوي بنار ظلم السلطة وقمعها وعنفها، واستهتارها بالكرامة الإنسانية، ودم الإنسان اكتواءً يهدّد وجودها، ويسحق إنسانيتها ويحرّكها على طريق الإصلاح والتغيير لا شيء من قمع السلطة وعنفها يكسر إرادتها، أو يفِلُّ من عزمها ويسبب لها التراجع ٣٥.